هل تحتاج مصر للإقتراض من صندوق النقد الدولي؟
by محمد سامي
أؤمن إيمانا شديدا بمقولة تشرشل:
“إن كنت شابا و لست ليبراليا فأنت لا تمتلك قلب، و إن كنت كبيرا و لست محافظا فأنت لا تمتلك عقل.“
و المقصود بالليبرالية هنا هو الميل نحو اليسار الإقتصادي و بالمحافظة الميل نحو اليمين. و إيماني بالمقولة ليس بالمعني الحرفي و لكنه بالفكرة وراء المقولة. و هي أن الشباب عادة ما يكون منفعلا و متحمسا تجاه الإصلاح، و في بعض الأحيان لا يميز بين الحلول المطروحة بل تتجه عاطفته نحو أسهل و أسرع الحلول فنجده أكثر راديكالية ممكن يكبروه سنا. و بما أنني شاب في الحادية و العشرين من عمري، أري أغلب من حولي من الأصدقاء ممن تنطبق عليهم تلك المقولة، و بالتالي لم أستغرب حينما رأيت صفحني علي الفيسبوك تمتلئ بتعليقات تنتقد الإقتراض من صندوق النقد الدولي بل اعتبره البعض خيانة لطبقات الشعب المصري الأكثر معاناة.
لم أدرس التاريخ أو العلوم السياسية حتي أكون رأيا تجاه “أجندة” صندوق النقد الدولي السياسية لكني أضع أمامي الوضع الإقتصادي لمصر ما بعد (و قبل) الثورة و أفاضل بين الحلول الموجودة أمامي. فبعد إضطراب سياسي مثل الذي شهدته مصر في العام و نصف العام الماضي ليس من الغريب أن يتأثر الإقتصاد بالسلب لفترة قصيرة، ثم يعود إن شاء الله إلي النمو الحميد بعد إجتياز الصعاب السياسية. فإذا نظرنا إلي المؤشرات الأساسية للإقتصاد الكلي نلاحظ أن نسبة البطالة قد إرتفعت إلي ١٢،٦ ٪، و الإنتاج قد انكمش بنسبة ٠،٨٪، و إحتياطي العملة الصعبة (دولار) قد إنخفض إاي ١٤،٤٢٢ مليون دولار، و عجز الموازنة قد تجاوز الـ ١٠٪، و العجز في الميزان التجاري قد ارتفع بنسبة ٧٩،٦٪.
تنذر هذه الأرقام بأن مصر علي وشك أزمة إقتصادية حادة قد تضاعف من معاناة الطبقات السفلي و المتوسطة و تؤدي إلي تدني مستوي معيشة الكثير ممن ينتمون إلي الطبقة العليا المصرية و بذلك قد يوجه المتربصون بالثورة أصابع الإتهام إليها و إلي من مقام بها، و هي التي قامت أساسا من أجل القضاء علي فساد الحكم عامة و الفساد السياسي و الفقر خاصة. تلك الأزمة التي نتحدث عنها قد تصل إلي إفلاس الحكومة المصرية بمعني عدم قدرتها علي سداد مستحقاتها من الديون أو المرتبات … إلخ و قد يؤدي ذلك إلي إنخفاض غير مسبوق في قيمة الجنيه و بذلك إرتفاع في الأسعار. و السبب الرئيسي في ذلك هو ضعف المناخ الإقتصادي بسبب عدم الإستقرار السياسي. جميعنا يتذكر تفزيع النظام السابق لنا بهروب السياح و الإستثمار من مصر بعد الثورة و منادتهم بالإستقرار حتي يعود السياح و الإستثمار إلي مصر و تعود الأعمال إلي ما كانت عليه. و هذا الفزع مشروع لأن الإقتصاد المصري ليس و لم يكن تحت حكم مبارك إقتصادا حقيقيا يعتمد علي العمل و الإنتاج بل كان إقتصادا ريعيا يعتمد علي الدخل من السياحة و الدعم الخارجي و تصدير الموارد الطبيعية و دخل قناة السويس. و مع غياب الأمن غابت تلك العوامل خوفا علي أرواحها و أموالها.
هروب الإستثمار أدي إلي نقص في الإنتاج و في فرص العمل، و هروب السياح أدي إلي ضعف الطلب علي ما تبقي من الإنتاج، و المعونات الخارجية أصبحت رهنا علي قدرة الإقتصاد المصري علي التعافي و الإنتاج مرة أخري. أدي كل ذلك إلي نقص حاد في تداول الأموال داخل البلاد و بالتالي إلي المزيد من الإفلاس و البطالة و ما زال الإقتصاد المصري يدور في تلك الدائرة المفرغة حتي الآن. و مع نقص الإستثمار سواء كان خاصا أو حكوميا قلت إيرادات الدولة التي تمول إنفاقها في وقت تواجه فيه الدولة تحديات المطالب بل الحقوق السياسية و الإجتماعية التي تأخرت كثيرا تحت حكم الحزب الوطني و بات الشعب غير صابرا (و هو معذور) علي إكتسابها. لم تنجو المؤسسات المالية المصرية من عواقب عدم الإستقرار و علي رأسها البنك المركزي المصري الذي لعب دورا ممتازا في الحفاظ علي قيمة الجنيه. فالعملة كأي سلعة أخري تعتمد قيمتها علي قوانين العرض و الطلب، و مع ضعف الطلب علي الجنيه بسبب ضعف الصادرات المصرية اضطر البنك المركزي لإصطناع طلب علي الجنيه عن طريق شراءه مقابل دولارات من إحتياطي البنك حتي خسر أكثر من نصفها، الدور الذي لن تتحمل موارد مصر الإبقاء عليه و سوف يؤدي ذلك حتما إلي إنخفاض قيمة الجنيه.
تلخيصا لما سبق فإن الإقتصاد المصري يواجه عجزا في الموارد ناتج عن ضعف المناخ الإقتصادي بسبب عدم الإسقرار السياسي. و إن قل عدم الإستقرار مؤخرا بسبب إنتخاب رئيس (و البورصة مؤشر جيد علي ذلك) فإن عدم اليقين السياسي ما زال موجودا. فمصر ما زالت بدون دستور و بدون سلطة تشريعية منتخبة لها أجندات توضح الإتجاه الذي سيسر الإقتصاد نحوه في الأعوام المقبلة حتي يعرف المستثمر مصير أمواله إن ضخها في السوق المصري. هناك أيضا عجز الموازنة الذي يتطلب الإقتراض الخارجي و ليس الداخلي لأن للداخلي مشكلتان: الأولي إرتفاع معدلات الفائدة إلي ١٧٪ علي الإقتراض بالجنيه و ٥،٧٥ ٪ علي الإقتراض بالدولار و الثانية هي أن مع إرتفاع الفائدة، تفضل البنوك التجارية إستثمار أموالها في الديون ذات العائد الكبير عن إقراضها لمشاريع القطاع الخاص الأكثر إنتاجية و من ثم فائدة للإقتصاد ككل. أما عن أزمة البنك المركزي فهي أيضا تحتاج إلي الإقتراض بالدولار لإنقاذ الإحتياطي الذي أهلكه الدفاع عن الجنيه، و الذي يعتبر المصدر الرئيسي للإستيراد، و لا ينبغي أن ننسي أننا نستورد ٤٠٪ من رغيف العيش المصري.
نعود للسؤال الرئيسي و هو لماذا صندوق النقد الدولي و الإجابة أبسط مما يعتقد البعض: لأنه الخيار الوحيد أمامنا. ساعدتنا بعض الدول بما تقدر عليه مواردها أو إرادتها السياسية و رهنت دول أخري مساعداتها بإقتراض مصر من الصندوق. يقترح البعض الإقتراض من الصين التي تريد نشر نفوذ سياسي في المنطقة خاصة و أن بنكها المركزي برقد علي ثلاثة ترليونات من الدولارات و قد تكون لها الرغبة في مساعدة مصر مساعدة حقيقية. و يا ليت الأمر بتلك السهولة، لم أقرأ لمحلل سياسي يطلب من الحكومة التوجه للصين و السبب هو أن للموضوع أبعاد سياسية قد لا يستوعبها إلا أهل التخصص. حتي إن وجدت الوسائل الأخري لفضلت الإقتراض من الصندوق لأن موافقته علي الإقراض تعطي الإشارة بأن مصر علي الطريق الصحيح من حيث التوجهات الإقتصادية و أن “الفلوس في الأمان” كما نقول في مصر و سوف نري بإذن الله إنعكاس القرض علي البورصة كمؤشر أولي لثقة المستثمر بالإقتصاد المصري. أتذكر يوم عاد أستاذي الدكتور محمد العسعس من رحلته إلي المنتدي الإقتصادي العالمي «وورلد إكونوميك فورَم» و أخبرنا بأنه سأل نائب رئيس البنك الألماني «دويتش بانك» و هو أحد أكبر بنوك الإستثمار العالمية عن ما يحتاجه لدخول مصر و كان رده هو قبول قرض الصندوق. و أضاف أنه يحتاج إلي دخول مصر مثلما تحتاجه هي إلي دخوله و لكنه لن يضخ أمواله في دولة لا يعرف توجه سياستها الإقتصادية في الفترة المقبلة. يعني ذلك أنه من الممكن لنا أن نضيف هذه الميزة للقرض و هي أنه سيساعد في حل المشكلة الأم للإقتصاد المصري كما عرفتها أعلاه.
تبقي نقطة القلق الأخيرة من القرض و هي الشروط. أنا لا أعرف صراحة ما سبب هجوم الناس علي شروط الصندوق التي لم تحدد بعد خاصة و أن د. مسعود أحمد و هو مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق قد اعترف أن الصندوق قد أخطأ مرات عدة في ربط القروض بشروط تعسفية و أنه يعلم حاجة الصندوق إلي تيسير الشروط مع مراعاته لظروف مصر الخاصة. و أنا لا ألقي باللوم في إخفاقات بعض الدول المرتبطة بالصندوق عليه فقط فهي إخفاقات متعلقة بحكومات فاسدة أيضا و لنا في حكومات نظام مبارك خير مثال. خاصة إذا ما نظرنا إلي دولة مثل تركيا التي كانت تعاني قبل تسعة أعوام من عدم إستقرار سياسي و أمني و اقترضت من الصندوق حوالي ١٥ مليار دولار تمكنت خلالهم زيادة الناتج المحلي بسنبة تقرب من ٣٠٠٪ و الدخول ضمن الدول العشرين الكبري من حيث حجم الإقتصاد و تحقيق إكتفاء زراعي و من ثم سيادة سياسية.
بصفة شخصية أعتبر نفسي قد حسمت موقفي من القرض إلا في حالة ظهور شروط شديدة التعسف و هو أمر أستبعده. سأحاول إن شاء الله نشر تعليقي علي الشروط إن وجب الأمر في حالة فهمي لها بعد إعلانها (لن أسبق الأحداث كما فعل البعض) و إن لم أفهمها فسوف ألتزم الصمت عملا بقول سيدنا الإمام علي رضي الله عنه “من قال لا أعرف فقد أفتي” و بمقال د. معتز بالله عبد الفتاح “بتفتي ليه“.

I totally agree with what you have written
Egypt is in desperate need to the IMF loan in order to avoid falling in the trap of devaluating the currency.
If we didnt take the loan given that the Egyptian reserves is decreasing, then the currency will devaluate which will affect the living standards of people.
So, its all an issue of time!!
I have previously discussed this issue with an Economics prof. and the conversation came to an end with the conclusion that; If we want to avoid a revolution that will arise due to people’s hunger, then we would better take the loan as soon as possible.
Well, regarding the source of the loan, the IMF is our second best option given that Egyptain conditions nowadays will not enable us to have the best!!
مقال ممتازة و لى بضعة تعليقات:
أظن أن رقم نسبة عجز الموازنة حسب معلوماتى هو أكثر مما ذكرت (حوالى 30% من المصروفات) و قد أكون مخطئا
ليست المشكلة فى شروط القرض…معظم الشروط ستكدون دائرة حول اتخاذ اجراءات نقدية و مالية ما من شأنها ضمان السداد و هو ما نريده جميعا (السداد) و لا أظن أن شروطا سياسية ستوضع. ما يؤرقنى هو غموض حجم ما سيتم أخذه من القرض و كيفية انفاقه و رده
أخيرا, ما ذكرت بخصوص تركيا صحيح ابتداءا و لكنه ليس السبب فى زيادة الناتج المحلى ب300% و لكن السبب زيادة معدلات الانتاج بصورة مطردة مع زيادة عوامل الانتاج المحلى الثلاث فى رأيي
شكرا لك
ماله العربي؟ زي الفل آهه .. واللا انت بتخزي العين؟
المقالة رائعة والاسلوب سهل ممتنع (بس مش ممتنع علي الفهم).
كدة خالصين .. أنا أديتك درس فيزيكس وانت اديتني درس ايكونومي