من الجامعة الأمريكية إلي زوايا المشايخ؟

البسملة

“ينبغي أن نتعلم لكي نصبح أناساً أفضل، لا لكي نجمع قدراً أكبر من المال”
الشيخ حمزة يوسف

     كتبت من قبل عن التحولات العديدة التي مررت بها في حياتي. كان الأصدقاء و الأهل يعتبرونها نوعا من أنواع التشتت و عدم وضوح الرؤية، و كذلك شعرت في لحظات الفشل أو ضعف الثقة. كنت أببر لنفسي تلك التقلبات بأنها تطورات و ليست تقلبات. أي أني أخرج من كل مرحلة إلي الأخري بدراية أكبر بطبيعة شخصيتي، و نقاط القوة و الضعف بها. هذا مع الإعتراف بأن جل التقلبات تضمّن إما حظا للنفس، أو هروبا من مسئولية، لكنها طبيعة الإنسان الذي لم تتزكي نفسه.

     دائما ما سخر مني الأصدقاء المقرب منهم و غير المقرب، و كثيرا ما سمعت منهم مع بداية كل سنة أو فصل دراسي تساؤلاتهم عن الشكل الذي سأظهر به في المرحلة القادمة، و علي أي أساس يتعاملون معي. هل يتعاملون مع مهووس الكرة، أم مع الناشط السياسي، أم مع الشاب الرياضي … إلخ. لكن في الفترة الأخيرة، و مع ظهور مقدمات لثبات إهتماماتي تحولت تساؤلاتهم إلي تساؤلات حقيقية عن الدوافع التي أدت بي إلي الإهتمام بالموضوع الفلاني، أو الإعجاب بالشخصية الفلانية، أو سلوك المسلك الفلاني. و من السهل علي من يعرفني و لو معرفة سطحية أن يصيب في توقعه لمواضيع التساؤلات التي  تُطرح عليّ في الآونة الأخيرة.

     لم هذا الإهتمام الشديد بالدين؟ ما تلك الموالد التي تحضرها؟ ما سر تأثرك الشديد بوفاة الشيخ أكرم؟ كيف و أنت خريج كلية الأقتصاد بالجامعة الأمريكية تنضم لمؤسسة بعيدة كل البعد عن مجال دراستك، دون أن يكون لك سلم وظيفي كالذي توفره لك الوظائف الأخري المتاحة؟

     الحقيقة أني لا أستغرب أبدا وجود تلك التساؤلات، بل أستغرب عدم وجودها. إذ كيف يهتم شاب في الجامعة الأمريكية هذا الإهتمام المفاجئ بالدين و ليست لعائلته أي إنتماءات تنظيمية؟ و كيف لشاب متعلم من طبقة فوق المتوسطة أن يواظب علي حضور الموالد وسط الفلاحين و الدراويش؟ و كيف تكون وفاة شيخ من جملة الشيوخ مؤثرة إلي ذلك الحد الذي ظهر عليه؟ أم كيف يترك الوظائف المضمونة و المرموقة و ينضم لمؤسسة ليس لها اسم كبير في عالم الشركات، و في مجال لن ينفعه عمليا إن قرر العودة للعمل بتخصصه الجامعي؟ و الإجابات المقنعة موجودة بحول الله.

     من الممكن مناقشة إهتمامي المفاجئ بالدين و ما ترتب عليه من تصرفات أو قرارات في ثلاث نقاط: أهمية الدين في حياة الإنسان، و ثراء التراث الديني، و صفاء مسلك أهل الله من الأولياء و الصالحين.

     قال الله سبحانه و تعالي في كتابه {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون}، و قال {و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}. المستشعر لمعني كون هذه الآيات منزلة من رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن صورة، و الحيوانات بأصنافها المتدرجة في التعقيد، و النباتات بأنواعها المحتلفة، و الجمادات المؤلفة من الذرات الدقيقة و المعقدة، يقف أمام هذه الآيات متأملا كون أن هذه الحياة لم تخلق عبثا، و أن لله سبحانه و تعالي مراد من خلق هذه الحياة.  فيجد أن الكتاب الذي أنزله الله ليكون رسالته الأخيرة إلي خلقه يقول أن المراد من هذه الحياة هو العبادة. و من معني عدم العبث أن الله ما أرسل رسالاته ليكون مضمونها محل أخد و رد من الخلق، إذ ملك هذا الكون هو المتصرف الوحيد فيه، و الواضع الوحيد لقوانينه، و الأدري بما يصلح فيه و ما لا يصلح. و هو الذي وعد من اتبع سبيله بسعادة الدارين، و توعد لمن اتبع غير سبيله مع وصول الرسالة إليه بشقاء الدارين {من عمل صالحا من ذكر أو أنثي و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، {و لمن خاف مقام ربه جنتان}، {و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمي}. إذن فالعقل البشري يتعجب ممن يقول أنه مؤمن بكون القرآن الكريم كلام الله، ثم لا يفتش في هذا الدين باحثا عن الحكمة، و الهدف من تلك الحياة، ليكتفي بما نتج عن فهم الخطاب الإلهي لمعني الحياة و دور الإنسان فيها عن البحث فيما قاله آخرون في نفس المواضيع. خاصة إن كانت الأفكار الأخري انبثقت من حضارة أنكرت الغيب، و حكمت العقول الغير معصومة علي نصوص إلهية صريحة لا تقبل التأويل. و في هذا ما فيه من إساءة الأدب مع الخالق جل جلاله.

     و الذي يسلِّم بأن الوحي ينبغي أن يكون القائد و الملهم لشتي أفعال الإنسان المؤمن يبحث عما يلهمه في هذا الدين بما يتناسب مع ميوله و إهتماماته ( و ذلك بعد أن يتبع أوامر و نواهي الشرع قدر المستطاع). فالمعلم يبحث عن معاني التربية و التزكية و تنمية العقول، و الطبيب يبحث عن الإنسانية، و الحرفي يبحث عن الدقة، و المعماري يبحث عن الجمال … إلخ. و مع ما قد يُتصور للوهلة الأولي من صعوبة تلك المهام، فالأمر لم يكن كذلك قبل قرنين مضوا، و السبب كان تواجد العلماء بين الناس في حياتهم اليومية. فما كان علي الإنسان إلا التوجه إلي شيخ الزاوية القريبة من بيته فيسأله عما يتعلق بعمله من أحكام و آداب، فيتعلمها و يعمل بها. أمّا الآن و قد غاب تواجد العلماء بين الناس، صعب علي الناس تصور تلك المعاني، و غاب الفهم المتكامل للدين فنتجت مفاهيم متباينة عن دور الدين في حياة الإنسان، عبر عنها الحبيب علي الجفري في خاطرة له بعنوان «قضية الشباب».

     و قد وفقني الله تعالي بأن تعرفت علي قدر ليس بالقليل من التراث إما عن طريق التواصل مع المشايخ أو القراءة في كتبهم. فصدمت بإنعكاسات العقيدة علي التخطيط المعماري التي جعلت المسجد في منتصف الحي، و ألحقت به المدارس ثم جعلت الأسواق في الدائرة المحيطة للمساجد ثم من بعدها البيوت. و في هذا تعبير عن مركزية المسجد و خطاب التوحيد في الحي، و الصلة الوثيقة بين العلم و المعرفة و بين الدين، إذ كانت مدارس المساجد تعقد حلقات العلم في العلوم الشرعية، و كذلك في الطب، و الفلك، و الرياضيات و غيرها. ثم وضعت الأسواق بالقرب من المساجد بحيث يسهل علي التجار حضور الجماعات، مما يحثهم علي الطاعة و يؤلف بين قلوبهم. ناهيك عن صلة دقائق الزخرفات بمعاني التوحيد، و غيرها من الملامح التي لا يتسع المجال لذكرها.

جانب من درس الشيخ المفكر عبد الحكيم مراد في برنامج الرحلة السنوي. الصورة من مدونة الخواجة.

جانب من درس الشيخ المفكر عبد الحكيم مراد في برنامج الرحلة السنوي. الصورة من مدونة الخواجة.

      و تأثرت أيضا بأسبقية المسلمين الفكرية في مجالات عدة، يكفي فيها تطرق الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” لمسألة توزيع المهام بين العاملين، قبل أن يدخل آدم سميث التاريخ بتوصله إلي تلك النظرية بعد مرور أكثر من ستة قرون علي وفاة الإمام الغزالي (العجيب أن آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” يضرب نفس الأمثلة التي ضربها الإمام رحمه الله). و فوجئت بدراية شيخ الإسلام حسن العطار بالتفاصيل الفيزيائية للصواعق الكهربائية التي عذب بها أصحابُ الحملة الفرنسية أهلَ مصر، مع ذلك لم يفكر في تصميمها إذ أنها لا تعتبر إختراعا نافعا طبقا لأولوياته و رؤاه. و لا يتسع المجال أيضا لسرد ما كان عليه علماء المسلمين لإدراك للواقع، و كذلك حال العلماء المعاصرين الذين تلقوا العلوم بنفس منهج أسلافهم. و بما أن إهتماماتي الأساسية فكرية، كانت هذه الأمثلة كافية لإقناعي بأن التراث فيه ما يروي ظمأي للمعرفة، فنويت طلب قدر من العلم الشرعي، و الله المستعان.

     أما ما يتعلق بالمحبة التي يصفها البعض بالمتجاوزة للحد للصالحين، فهي ترجع إلي كونهم أكثر من عرفت إتباعا لأشرف الخلق صلي الله عليه و سلم، و علي من يشكك في كون إتباعه في الأمور الظاهرة و الباطنة هو سبيل الكمال أن يراجع نفسه. و إذا خصصنا الحديث بالكلام عن الشيخ أكرم مظهر رحمه الله و رفع درجاته، و تأملنا ما رأيناه منه، لوجدناه من أقرب ما يكون لما جاء في وصف رسول الله صلي الله عليه و سلم. فقد كان ممتثلا لأوامر الشرع و مناهيه ظاهرا و باطنا، داعيا إلي الله علي بصيرة. أفني عمره في الأخذ بيد الناس إلي محبة الله و رسوله و آل البيت، و لم يطلب منهم أجرا بل كان هو من يقوم في خدمتهم. و كان في الأسفار لا ينام إلا بعد أن ينام المريدون، و ذلك بعد أن يرتب لهم أمورهم. و كان ضاحكا بساما، من رآه هابه و من عرفه أحبه. و كان أكثر من عرفت تواضعا لا يري لنفسه قدرا علي أحد من خلقه، و كان يتعجب من المحبة الشديدة التي نكنها له. و كان لا يجالس الحكام، و ابتعد عن أحد أعز أصدقائه طوال فترة توليه الوزارة. و مع ذلك لم ينكر أبدا علي من يخالطهم، و ذلك لسعة رؤيته، و علمه بإختلاف المسالك، و حسن ظنه بجميع الخلق. و كان شديد المحبة لأبنائه صلبا و طريقا، لا يثقل عليهم بل يتحمل عنهم. و  قد أحسن الأستاذ أحمد فتح الباب الذي قال في رثائه:

و إن يك بعض الناس حملا علي الوري * فقد كان يحمل صحبه و يعول

يقيم لأهل الله في الأرض منزلا * و يلقي نداه متعب و عليل

يعلم دين الله حبا و حكمة * و ليس سواء عارف و جهول

و ينمي لذي العينين في الله وصله * و ما في رحاب الشيخ قط ذليل

فأي عاقل يعرف مثل هذا و لا يجنّ بحبه؟

     و قد أجمع الصالحون عن تجربة علي أنهم ما وصلوا إلي ما وصلوا إليه من إستقامة إلا بصحبة الأولياء و محبتهم، و ذكر الله، و محبة آل بيت رسول الله الذين هم طريقنا إليه، و هو صلي الله عليه و سلم مفتاح باب معرفة الله التي هي غاية كل مسلم. و في الحديث «أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني لحب الله، و أحبوا آل بيتي لحبي». و ما أقيمت الموالد و مجالس الذكر إلا لزرع و إنماء هذه المحبة، فالموالد و مجالس الذكر تجمع بين قراءة القرآن الكريم، و سماع خطب الوعظ، و سماع إنشاد كلام أهل الله الذي يصف أحوالهم في محبة الله و رسوله و آل بيته التي جاء الأمر بها صريحا في الكتاب و السنة. و في الإنشاد ما فيه من حسن الذوق الأدبي و المعنوي، و جميل المحبة، فضلا عن ما يأخذ الأرواح و يُنشيها من طرب. و لا يصح أن ننكر علي أهل الموالد بسبب المخالفات التي تحصل من بعضهم، فقد اعتري الموالد ما اعتري سائر شئون الأمة من تأخر، و تسطيح، و تعلق بالظواهر و الإبتعاد عن المقاصد، و جهل بالشرع الشريف. كما أن الحكم علي الكل بالبعض باطل، و مثاله ما يحكم به البعض علي الإسلام بسبب تصرفات الكثير من أتباعه.

     قال الحبيب علي الجفري مرة أن الشباب يبحث عن الحق، و العدل، و الجمال. فإن كنت تري صحة هذه المقولة، فلا تتعجب ممن وجد ملاذه في هذا الدين إن فهمه كما فهمه ورثة الأنبياء. اللهم دلنا علي من يدلنا عليك، و أوصلنا إلي من يوصلنا إليك، و ارزقنا تمام الأدب معهم، و علمنا الذي ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا.