مدونة السعة

كيف نفهم ما نراه في الكون على أنه شر؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

ألقيت ذات يوم محاضرة تحت عنوان: “هل الفلسفة حرام؟ مقتطفات من تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي.” في فقرة الأسئلة، سرعان ما انتقل النقاش من أسئلة في صلب الموضوع إلى السؤال عن ما يسمى بمعضلة الشر. السؤال الأول الذي تلقيته كان عن رأي علم الكلام في هذا الموضوع، والثاني كان عن رأيي الشخصي فيه.

كانت الإجابة عن السؤال الأول هي الأسهل. ذكرت فيها رأي الفلاسفة الإسلاميين وهو أن الشر أمر عدمي وليس وجوديا فلا يكون الإله مسؤولا عنه، ثم رأي المتكلمين وهو إلزام السائل بوجود الله والقول بأن الخالق من العدم لا يُسأل عما يفعل، وقول الصوفية بأن الإله له حكمة من ذلك وإن كانت خفية.

ثم جاء ردي على السؤال الثاني بأن رأيي مماثل لرأي المتكلمين، فأنا أؤمن بالإله الذي لا يجوِّز العقل عدم وجوده، وأن هذا هو الخيار العقلاني. ثم أضفت أنه لا يلزم من عدم رضانا عن الواقع أن هذا الواقع غير موجود، فالإنسان الذي يصاب بمرض لا يفيده إنكار وجود المرض. المرض موجود وهذا شيء مؤلم، وإنكار الواقع لا يغير من حقيقته. كذلك عدم رضا شخص ما بفعل من الأفعال الإلهية لا يجعل الإله غير موجود.

الحقيقة أن هذا الجواب لا يشفي الغليل، فهو كأنه يقول للمستمع: هذه هي الحقيقة شئت أم أبيت وعليك أن تقبل بها وتسكت الصوت الذي بداخلك لأنه مخالف للعقل! ويترك الجوابُ المستمعَ في تحيُّره ورغبته في أن يعرف السر وراء هذا الاختيار الإلهي الذي يبدو مؤلما أو -استغفر الله- عبثيا. وهذا المعنى قد أشار إليه الإمام صدر الدين القونوي في رسالة أرسلها للفيلسوف نصير الدين الطوسي ليوضح له أن طريقة الصوفية هي التي تؤدي إلى فهم حقائق وأسرار الكون وليس الاستدلال العقلي.

ولعل المشكلة التي تكمن في الاكتفاء بالاستدلال العقلي هي كون هذا الاكتفاء يجعل الخطاب اختزاليا. فهو يتعامل كأن العقل هو الآلة المدركة الوحيدة في الإنسان، والحقيقة بخلاف ذلك. فالإنسان له كذلك النفس، والقلب، والروح، والسر.

فالنفس تدرك الشهوة والغضب، والغرض منها أن تستقيم حياة الإنسان بأن تدفعه إلى جذب المنافع ودفع الأضرار. والعقل ينسب المسبَّبات إلى أسبابها، وبه يستطيع الإنسان أن يفهم الكون من حوله ويتعامل معه. والقلب هو الجسر بين عالم الشهادة الذي نعيش فيه وعالم الغيب الذي هو أوسع من هذا العالم. فمتى أدرك الإنسان بعقله أن له خالق وأن مقتضى رسالة الرسول أن يتوجه بقلبه تجاه هذا الخالق، كان القلب هو آلة التوجه وتكون ثمرة هذا التوجه أن يقترب الإنسان من عالم الغيب وتبدأ روحه في إدراك هذا العالم وأسراره إلى أن تتحقق له معرفة الله التي هي الغاية من وجوده والتي هي اللذة التي ما بعدها لذة.

حينئذ يفهم الإنسان الحكمة من أفعال الله، ويصير الغيب عنده شهادة، ويدرك يقينا أن لكل فعل من أفعال الحكمة وأنه كما قال الإمام الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان!

كذلك يرى الأشياء على حقيقتها، فيعرف أن كل موجود هو تجل لاسم من أسماء الله. فالله سبحانه وتعالى خلق هذا العالم ليدل عليه {سنريهم آياتنا في الآفاق} فيكون كل موجود ما هو إلا لافتة تشير إلى أصلها. فهذا المخلوق يدل على اسم الله الباسط وذلك على اسمه البديع وذاك على اسمه القهار. فيكون ما يعبر عنه الإنسان بالشر هو تجل لاسم الله المانع أو القهار أو الجبار أو غيرها من الأسماء. ولعل هذا ما يشير إليه قول أحد العلماء: من كان أعرف بأقسام المخلوقات وحقائقها كان أعلم بأسمائه تعالى.

ولسائل أن يسأل: لماذا لا يخفي الله هذه الأسماء ولا يظهرها فلا تكون هذه المعاناة المشاهَدة؟

الجواب لهذا السؤال أن الله أراد للإنسان المعرفة الكاملة. قال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} وكان سياق هذا القول بيان الله تعالى لسر تفضيل سيدنا آدم على الملائكة واستخلافه في الأرض، إذ أنه أعلم من الملائكة بالله وبأسمائه. فالملك وإن كان لا يعصي الله أبدا، فإنه لنفس هذا السبب لا تكون معرفته بالله كاملة إذ أنه لا يعرف اسم الله التواب لأنه لا يعصي فلا يلجأ لله بصفته توابا. ومن هذا يُفهم أن العبد كلما تعرف على الله بأسماء أكثر زادت معرفته بالله التي فيها كماله وكمال سعادته في الآخرة التي هي حياة أبدية. ويكون كل ما يواجهه المرء من الصعوبات على وجه الحقيقة خيرًا للإنسان وسببًا لسعادته إن فهم أن هذه الصعوبات هي أحبال للتعارف يمدها الله للعبد، وسارع إلى التمسك بهذه الأحبال وتسلُّقِها.

هذه المعاني إن فهمت تحولت إلى مصدر سعادة للإنسان، وكانت سببا لزيادة تشوقه للمعرفة التي تفوق لذتها كل اللذات الحسية. ذلك لأن اللذة الحسية ما هي إلا إزالة لألم، وسرعان ما تنقضي هذه اللذة بعد أن يأخذ الإنسان كفايته منها. أما المعرفة فلا تزيد صاحبها إلا تشَوُّفًا للمزيد منها ويظل الإنسان باحثا عنها مهما استمرت حياته.

اللهم أذقنا لذة معرفتك واسلك بنا سبيل أحبابك من غير فتنة.

من خلق الله؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

الحمد لله،

من الأسئلة التي تطرأ في أذهان الكثير من الناس سؤال: إذا كان الله هو الذي أوجدنا من عدم، فمن الذي أوجد الله؟ وإذا كان الله أوجد نفسه فلماذا لا أكون أنا قد أوجدت نفسي؟

هذا السؤال الذي يطرأ على أذهان الكثير هو سؤال طرحه كذلك من يسمَّوا بالملحدين الجدد. فهم يقدمونه على انه سؤال جديد صعب يصعب على المتدينين الإجابة عنه. وفي هذا السؤال يأتي الملحدون من البلاد المسلمة بإضافة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طرح هذا السؤال باعتباره وسوسة من الشيطان. فهل هذا السؤال معجز حقا إلى درجة تجعل رسول الله ينهى عن طرحه؟

الإجابة أن السؤال ليس كذلك، وأن النهي عن مثل هذا السؤال هو في منتهى العقل. لماذا؟ لأنه سؤال غير عقلاني. ولتبيين ذلك علينا أن نستحضر معاني فلسفية وهي معاني: الوجوب، والإمكان، والاستحالة. هذه المقدمات الفلسفة لما ضاعت –للأسف- أصبحت الإجابات على الأسئلة الوجودية مرتبكة وغير كافية للإقناع العقلاني، لأنها تناقش فروها بدون مناقشة أصولها، وبالتالي تكون الإجابات عليها سطحية.

الذي يطرح هذا السؤال حجته كالآتي: أنتم يا متدينون تقولون أن كل موجود له سبب، وبالتالي العالم له سبب وهو الله. لكنكم تغفلون أن الله الذي تزعمون وجوده كذلك موجود ينبغي أن يكون له سبب مما يفرض علينا طرح سؤال: من خلق الله.

والحقيقة أننا لا نقول أبدا أن كل موجود له سبب، وبالتالي يكون قولنا أن كل موجود له سبب هو مجرد افتراض ممن يعترض على قولنا. ما نقول هو أن كل موجود ممكن له سبب. إذن، هناك نوع واحد من الموجودات ينبغي أن يكون له سبب، وهو الموجود الذي وصفناه بالممكن.

فما هو معنى الممكن؟ قسَّم أهل النظر العقلي الأشياء إلى واجب وممكن ومستحيل، هذا من حيث النظر العقلي. فالعقل يحكم على الشيء إما بالوجوب، أو الإمكان، أو بالاستحالة. ومعنى أن يكون الحكم عقليا أنه لا يعتمد على العقل، فلا يعتمد على التجربة مثلا كالعلوم التجريبية أو على وضع واضع مثل القانون. وهذه تفرقة بين أنواع الأحكام، وبين أنواع الحكم العقلي غابت عنا للأسف مع أن الأنظمة التعليمية التي تهتم بالفلسفة وتعطيها قيمتها الحقيقية كانت تدرسها في المراحل الابتدائية. فمثلا نجد في قصيدة الخريدة البهية التي كان يدرسها الأطفال في الأزهر:

أقسام الحكم العقلي لا محالة * هي الوجوب ثم الاستحالة

ثم الجواز ثالث الأقسام * فافهم مُنِحتَ لذة الأفهام.

والواجب العقلي هو: ما لا يجوز في العقل عدمه، مثل كون الواحد نصف الإثنين. والمستحيل العقلي هو ما لا يجوز في العقل وجوده، مثل اجتماع النقيضين كأن يكون الشيء موجودا ومعدوما في نفس الوقت. والممكن هو ما يجوز في العقل وجوده أو عدمه.

وإذا عرفنا معنى الممكن، وعرفنا أنه يجوز أن يكون موجودا ويجوز أن يكون معدوما، عرفنا أنه لا بد من سبب يدعم كفَّة الوجود على العدم، يسمونه المرجِّح. فإذا نظر الإنسان إلى الكون وتأمل في نوع الوجود الذي يوصف هذا الكون به. هل هذا الكون مستحيل؟ بالطبع لا، لأنه لو كان مستحيلا لَمَا صحَّ وجوده أصلا، ونحن نعلم أن الكون موجود. هل هذا الكون واجب؟ بالطبع له، لأنه الكون المادي مكوَّن من مادة، والمادة يجوز عليها العدم فلا تكون واجبة. فلا يبقى لنا اختيار إلا أن يكون هذا الكون ممكن.

فإذا عرفنا أن الكون ممكن، ذهبنا إلى السؤال التالي له. هذا الكون يجوز عليه الوجود والعدم، فهل يجب أن يكون هناك مرجِّحا يرجِّح وجوده على عدمه؟ الإجابة نعم، لأن الترجيح لا يكون إلا بمرجِّح (الترجيح بلا مرجح مستحيل عقلا، وكونه مستحيلا عقلا لا يمكن تبيينه هنا فسيتم التبين في مقالة أخرى إن شاء الله عن المستحيلات العقلية).

وهنا يأتي سؤال: هذا المرجِّح الذي صنع الكون، من الذي صنعه أو رجَّح وجوده على عدمه؟ فتكون الإجابة أن هذا الصانع إما أن يكون وجوده ممكنا، او يكون وجوده واجبا. فإن كان وجوده ممكنا وجب علينا أن نسأل عن المرجح الذي رجح وجوده على عدمه. لكنه لو كان واجبا، لا يجب علينا طرح هذا السؤال. والدعوى التي يدعيها المتدينون أن هذا الصانع للعالم وجوده واجب لا يحتاج إلى صانع آخر أو مرجِّح يرجِّح وجوده على عدمه. لماذا؟

لأن هذه السلسلة من الأسباب ينبغي أن تتوقف عند حد. ينبغي أن تكون هذه السلسلة متناهية. فهذه السلسة إما أن تكون متناهية أو غير متناهية. فإن كانت غير متناهيا، كان من الواجب أن يكون قبل صنع هذا العالم، عدد غير متناهي من الصانعين الذين يصنع بعضهم بعضا. فلو سمينا صانع هذا العالم صانع 1، ثم سمينا صانعه صانع 2 إلى أن نصل إلى صانع 99999 ثم نصل إلى الصانع رقم ما لا نهاية. فيكون هذا الكون نتيجة حصول عدد لا نهاية له من عمليات الصناعة، وهذا الأمر متناقد. لأن معناه أنه تم الانتهاء من عدد ما لا نهاية له فيصبح: ما لا نهاية له قد انتهى بالفعل. كيف ينتهي ما لا نهاية له؟ ويكون هذا تناقض مستحيل عقلا.

بهذه الحجة، يثبت أنه لا بد من صانع أول تنتهي إليه كل الموجودات، يمنع من أن تكون الأسباب والموجودات غير متناهية. وهذا الصانع الأول يكون وجوده واجب إذ أنه لا يجوز في العقل أن يكون هذا الصانع الأول غير موجود. فينطبق عليه تعريف الواجب.

فإذا عرفنا أن صانع الكون واجب وليس ممكنا، تأكدنا من أن السؤال عن صانع هذا الصانع الواجب سؤال غير عقلاني، وعرفنا لماذا نهى عنه رسول الله على الله عليه وسلَّم واعتبره وسوسة. لأنه سؤال لا يقبله العقل فيكون مصدره غير مصدر العقل. وتصويره على أنه سؤال عقلاني هو من باب العقل الإبليسي الذي سبق وانتقدناه في هذه المدونة. وأختم هذه التدوينة باقتباس للإمام ابن الجوزي في شرحه للحديث الذي نهينا فيه عن هذا السؤال:

وفي الحديث الخمسين بعد المائة: ((لن يبرح النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالق كل شَيْء، فَمن خلق الله))

اعلم أن الباحث عن هذا إِنما هو الحس، لأَن الحس لم يعرف وجود شيء إِلا بشيء، ومن شيء، فأما العقل الذي هو الحاكم الْمَقطوع بحكمه، فقد علم أنه لابد من خالق غير مخلوق، إِذ لو كان مخلوقا لاحتاج إِلى خالق، ثم بتسلسل إِلى ما لا نهاية له، والمتسلسل باطل، وإِنما أثبت العقل صانعا، لأنه رأى المحدثات مفتقرة إِلى محدث، فلو افتقر المُحْدِثِ إِلى مُحْدِثٍ كان محدثا.

هل يطالب الدين أتباعه بالإيمان الأعمى؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

الحمد لله،

“والمسلم المتعلم إنما يكون مسلماً متعلماً بالاستقلال في العقيدة الدينية. ولا يجوز للمسلم تقليد غيره من المسلمين في العقيدة فما ظنك بتقليد غير المسلمين؟”
شيخ الإسلام مصطفى صبري

الحمد لله،

كنت في زيارة بعض الأصدقاء لما سألتني خطيبة أحدهم عن طبيعة عمل المؤسسة التي أعمل بها. فلما شرحت لها بعض نشاطات المؤسسة والتي من ضمنها مبادرة سؤال، قالت لي: “كيف تستدلون على صحة المعتقدات الدينية؟ أليست هذه الأمور تؤخذ بالإيمان وتحتاج لشيء من الثقة مع غياب الدليل؟” وفي موقف آخر كنت أشرح لأستاذ لي في كلية الاقتصاد الأسباب التي جعلتني أترك مجال الاقتصاد وأتجه لتعلم العلوم الشرعية، ومن ضمن الأسباب أن الشباب تائه في معترك الأفكار الرائجة في عصرنا مما يجعل تمسكه العقلي والروحي بالدين أصعب. فقال لي الأستاذ: “الدين يكون بالإيمان وليس بالدليل.” والحقيقة أن هذه الفكرة وإن دلت على قوة إيمان أصحابها، فهي ليست من المفاهيم الإسلامية بالمرة، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام مصطفى صبري في الاقتباس الموجود أعلى المقالة وهو من كتابه: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين).

هذه الفكرة التي تدعو إلى كون الإيمان قرار غير مبني على دليل تسمى بالقفزة الإيمانية (leap of faith)، وهذا المصطلح مدين في نشأته في هذا السياق للفيلسوف الدنماركي المسيحي البروتستانتي الوجودي سورن كيركغارد. ولكل وصف من الأوصاف السالفة صلة بمعنى القفزة الإيمانية.

فكونه دنماركيا يشير أنه كان يعيش في عالم وسياق فكري مختلف عن العالم والسياق الفكري للمسلمين، وكونه مسيحيا يشير إلى أن معتقداته التي يقفز إليها ليست هي معتقدات المسلمين، وكونه بروتستانتيا يشير إلى أنه من طائفة مسيحية لم تمتلك الأدوات الفلسفية والمنطقية التي تعينها على الخوض في المباحث الميتافيزيقية بخلاف الكاثوليك فإنهم لديهم تراث فلسفي أرسطي شديد القوة، وكونه وجوديا يشير إلى كون كتاباته فيها ردة فعل المجتمع المادي الصناعي الأوروبي. والقاريء لفلسفة كيركغارد أو تبعاتها لا ينبغي أن يخلي ذهنه عن هذه الاعتبارات.

ولنا أن نضيف أن كيركغارد عاش في الحقبة الزمانية التالية لهيغل مباشرة، وكان ناقدا لهيغل لأسباب من ضمنها التعقيد الذي عقده هيغل للفلسفة المسيحية. فهو قدمها بطريقة فلسفية غير سلسة، لا يسهل على المسيحي العادي أن يقرأها ويستلهم منها أسلوبا للمعيشة يتوافق مع مسيحيته. أما كيركغارد فقد كتب بلغة سهلة، وفي مواضيع مرتبطة بما يمر به الإنسان المتوسط في الحياة، مما يجعل فلسفته معينة للإنسان المسيحي على حياته وعلى تطبيق المسيحية في حياته اليومية.

ومن الجدير بالذكر أن هيغل كان يرى إمكان اجتماع النقيضين، وقد تأثر في ذلك بكانط تأثرا قد لا يكون مباشراً. فالذي دفع بكانط إلى تأسيس مذهبه الفلسفي هو ما وجده في عصره من إمكانية الاستدلال العقلي على الشيء ونقيضه في أربع مسائل مهمة في الميتافيزيقا، مما أدى به إلى القول بأن العقل غير قابل للحسم في مثل هذه القضايا. ومن المعلوم أن الميتافيزيقا التي ينتقدها كانط هي الميتافيزيقا التي سادت أوروبا في القرن والنصف السابقين لكانط والتي بدأت مع ديكارت ولا علاقة لها بالنظام الميتافيزيقي الأرسطي.

بهذا يتضح أن كيكغارد مرتبط في فلسفته بالسياق التاريخي والفكري الذي بدأه ديكارت إلى أن وصل إلى كيكرغارد عن طريق فلاسفة الغالبية العظمى منهم مسيحيون، وبالتالي هو مرتبط بسياق خاص لا ينبغي اسقاطه على ديانة غير ديانتهم (الإسلام) وعلى نظام فلسفي غير نظامهم (الأرسطي).

فكيركغارد نشأ في فترة كانت أوروبا قد فقدت الأمل في إمكانية الاستدلال على صحة معتقداتها بالعقل، ورأت أن العقل إما أن يصطدم مع نفسه وإما أن يصطدم مع معتقدات دينية مثل حلول الإله في جسد عيسى مع احتفاظ الإله بماهيته، ومثل المعجزات. وقد استأنس كيركغارد في كلامه عن القفزة الإيمانية بقصة سيدنا إبراهيم لما أمره الله سبحانه وتعالى بذبح ابنه اسحق (الرواية الانجيلية للقصة تقول أن الابن هو سيدنا اسحق عليه السلام بينما تقول الرواية القرآنية أن الابن المأمور بذبحه هو سيدنا إسماعيل عليه السلام). فيقول كيركغارد أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم بما يخالف عقله وطبيعته مما يستدعي قفزة إيمانية من قبل سيدنا إبراهيم تعينه على تقبل أن الله –مع ما أمر به من مشقة– م يأمره إلا بما فيه الخير له. والمعنى الذي يشير إليه كيركغارد هو معنى رائق في التدين والصلة بالله والتسليم لمراد الله لكنه لا يتعلق بأصل الإيمان ولكنه ثمرة من ثمراته.

هذا فيما يتعلق بنشأة فكرة القفزة الإيمانية وتلقي المعتقدات بدون دليل، وكونها فكرة ناشئة بعيدا عن الفكر الإسلامي. أما ما يتعلق بموقف الفكر الإسلامي من هذه القفزة فهو معروف عند طالب العلم المبتديء الذي درس متن جوهرة التوحيد للإمام إبراهيم اللقاني، وهو متن يدرسه المبتدئون في العقيدة. يقول الإمام اللقاني:

إذ كل من قلَّد في التوحيد * إيمانه لم يخلُ من ترديد

والتقليد هو أخذ القول بغير دليل. فالإمام اللقاني يقول أن كل من بنى إيمانه على غير دليل بنى إيمانه على أصل ضعيف يجعله مترددا في إيمانه. وطرح العلماء الأسئلة حول إيمان هذا المقلد، فقالت المعتزلة أن إيمانه غير صحيح، وهذا الرأي لم يقبله أهل السنة، إذ قالوا أن إيمانه صحيح لكن اختلفوا هل هو عاصي أم لا. فقال بعضهم أن كل مقلد في الاعتقادات عاصي، وقال غيرهم وهو الرأي الراجح عند أهل السنة أنه يكون عاصيا إن كانت عنده أهلية النظر، ولا يكون عاصيا إن لم تكن عنده هذه الأهلية. وبذلك نتوصل إلى أن الإنسان الذي لديه قدرة على معرفة الدليل على صحة اعتقاده يجب عليه أن يعرفه وإلا أثم، وهذا معنى قول شيخ الإسلام مصطفى صبري أن المسلم لا يجوز له تقليد غيره من المسلمين في الاعتقاد. ولم يكتف العلماء بعَدِّ معرفة العقائد بالدليل من الواجبات الدينية، بل عدوه أول الواجبات. قال الإمام اللقاني:

واجزم بأن أوَّلاً مما يجب * معرفةٌ وفيه خُلف منتصب

أي أن أول الواجبات على المكلَّف هي المعرفة، والمعرفة هي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل. وأما الخلاف الذي يذكره في البيت أعلاه هو خلاف بين العلماء حول أول واجد على المكلف، فمنهم من قال بأنه المعرفة، ومنهم من قال أنه النظر والبحث المؤدي إلى المعرفة، ومنهم من قال أنه القصد إلى النظر والبحث. وهذا الخلاف لا يغير من طبيعة المسألة ولا من كون هناك أولوية لترسيخ الإيمان بمعرفة الأدلة.

وهذه الأقوال للأئمة ليست بأقوال جديدة ناشئة عن ردة فعل للهجوم الذي يتعرض إليه الدين من كون اتباعه يؤمنون به إيماناً أعمىً مخالف للعلم والعقل، بل هي أقوال ترجع إلى القرون الأولى للإسلام. وأما مفاهيم القفزة الإيمانية والإيمان الأعمى فهي مفاهيم لا تمت للفكر الإسلامي بصلة، وقد أوضحت أنه نشأت في بيئة غريبة عن الإسلام وأهله. وبهذا يندفع الإشكال الذي يورده القائلون بان الدين يدعو الإنسان لترك عقله.

وأنا أطلب من الشباب المسلم أن يحصن إيمانه بالأدلة العقلية على صحة الإيمان في هذا الزمن الذي كثر فيه التطاول على الدين والتشويش على معاني الإيمان وقيمه ومن قبل وسائل شتى. كذلك أطلب من المستوردين للأفكار الغربية بدون فهم لحقيقة الفكر الغربي ولا لحقيقة الفكر الإسلامي أن يكفوا عن ترويج أفكارٍ هم يجهلون بها وبالفكر الذي تستند هذه الأفكار المروجة عليه. فالضرر المعنوي الذي يتسبب فيه هذا الجهل المروج له لا يقل عن أي ضرر مادي من الممكن أن يسببه أحد إلى غيره. بل الضرر المادي يؤدي بالأمم من الغنى إلى الفقر والضرر المعنوي يؤدي من العلم إلى الجهل، فأي الضررين أكبر وأخطر؟

الدين والفلسفة

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

كانت أول محاضرة حضَرتها في حياتي الجامعية أثناء دراسة البكالريوس محاضرةً في مادة بعنوان «التفكير الفلسفي». لم أكن وقتها أعرف ما معنى كلمة فلسفة، وكان الأستاذ المدرِّس للمادة أمريكيًا ولم أكن قبلها قد درست مع أي أستاذ غير مصريٍّ من قبل. وأنا بطبيعتي أخاف من الآخر أو المجهول وكنت في هذا الموقف أمام مجهولات ثلاث: الفلسفة، والأستاذ الجامعي، وكون هذا الأستاذ الجامعي أمريكيًا.

جلست في الصف الأخير والتزمت الصمت حتى رفع أحد الطلاب يده وقال: يا أستاذ، أنا أدرس هذه المادة للمرة الثانية وما زلت لا أعرف، ما هي الفلسفة؟ وكان رد الأستاذ هو التعريف بالمعنى اللغوي للكلمة المركبة من كلمتين يوانيتي الأصل: فيلو، وسوفيا. وفيلو هي كلمة بمعنى المحبة، وسوفيا هي كلمة بمعنى الحكمة.

بالجمع بين الكلمتين ندرك أن الفلسفة هي محبة الحكمة أو السعي تجاهها، وهي –أي محبة الحكمة والسعي تجاهها- أمور شريفة مطلوبة.. لكن ليست لذاتها، بل هي مطلوبة للحكمة. فهذا النوع من السعي نُسب إليه الشرف لكونه سعيًا نحو الحكمة لا لمطلق كونه سعيًا.

كانت هذه هي المادة الوحيدة التي درستها في الفلسفة أثناء البكالريوس، وكنت ممن يعتقدون أن الفلسفة أمرٌ لا حاجة إليه. ثم مرت الأيام وشاء الله تعالى أن أدرس الماجيستير في الفلسفة في نفس الجامعة، ويسأل طالب الأستاذ سؤالًا عن الفلسفة يعيد إلى الذهن التفكر في تعريف الفلسفة على أنها محبة للحكمة أو سعي نحوها. سئل الأستاذ عن الفلسفة الإسلامية فقال أنه يرى أن كلمة الفلسفة الإسلامية فيها تناقض. لأن الفلسفة تطرح الأسئلة بينما الدين يقدم إجابات عنها.

وفي سياق آخر، أثناء القراءة في كتاب «مدخل إلى الميتافيزيقا» للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر والذي يطرح فيه أسئلة جول حقيقة الوجود، نبه الأستاذ نفسه الذي كان حينها رئيس قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن أفلاطون كان يشعر بالخجل والحيرة تجاه فهمه لتعبير «الوجود». فقد قال أفلاطون أننا في الماضي كنا نظن أننا نفهمه لكننا الآن أصبحنا حائرين. فهل هذه الحيرة هي التي تجعل الفلاسفة طالبين للحكمة بدلًا من أن يكونوا حكماء؟

يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه غينو أن هذه الحيرة لا تواجه الأديان الأصيلة لأنها تدعي أنها تمتلك الحكمة. فبالنسبة إليهم، حقائق مثل الوجود هي أمور لا يدركها العقل بل هي أمور من عالمٍ علوي لا تعرف إلا بطريق الوحي. لذلك، سيظل الباحثون عن هذه الحقائق من غير طريقها حائرين تائهين. وغينو هو فيلسوف فرنسي تشبع بالتراث الفلسفي الغربي القديم والحديث ولم يجد فيه ضالته، فاتجه نحو الأديان والمعارف الشرقية ودرسها بطريقها لا بطريق الاستشراق، وكتب كتابه «المدخل إلى دراسة العقائد الهندوسية» منتقدًا فيه المحاولات الاستشراقية لفهم هذه العقائد من المنظور المعرفي الاستشراقي الضيق الذي أنكر الوسائل المعرفية الشرقية لمجرد جهله بها وظنه أنه أرقى منها. وفي المقولة الشهيرة: «المرء عدو ما يجهل». وغينو بعد أن جمع بين دراسته للفلسفة الغربية في بلادها وعلى طريقتها ثم درس العقائد الشرقية، انتهى به المطاف في الإسلام بعد أن قرأ كتابات الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وانتقل إلى مصر وأسس فيها مجلة «المعرفة» التي كانت تصدر في بداية ثلاثينيات القرن العشرين. ومن أراد أن يعرف أكثر عن غينو فليقرأ الفصل المخصص له في كتاب الشيخ عبد الحليم محمود: «قضية التصوف: المدرسة الشاذلية».

والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الذي أثَّر في غينو كان له رأي في فلاسفة اليونان وهو أن علومهم مكتسبة في الأصل من سيدنا إدريس عليه السلام ولكنهم أخطأوا في نقل ما جاء عنه ونظروا في الغيبيات بعقولهم المجردة وأن خطأ النظر العقلي في هذه الأمور أكثر من صوابه. (وهذا لا يعني أن العقل لا يعتد به في المسائل الدينية، بل هو ضروري للتوصل إلى أن الدين حقيقي وضروري كذلك لفهم وتفسير الدين. لكن كلام الشيخ الأكبر عن الأمور التي لا يستقل العقل بالتوصل إليها لكنه يقرها ولا يجد تعارضًا بينها وبينه. فالعقل آلة وليست جميع الآلات صالحة لجميع الأغراض مثل المسموعات لا تدرك بالأعين. ولعل الله ييسر كتابة تدوينة أخرى في بسط هذا الأمر المتعلق بالدين والمعرفة والعقل.)

فالفلسفة تطرح العديد من الأسئلة عن أمور هي عاجزة عن الإجابة عنها، مثل سؤال الوجود الذي ذكره أفلاطون وما زال يسأل إلى يومنا هذا. والدين يقدم إجابات عن مثل هذه الأسئلة، ومن نظر في إجابات جميع الأديان سيجد تقاربًا شديدًا في العقائد الأساسية مثل وجود مصدر أو مبدأ أول ومراتب الوجود وكيفية الوصول إلى هذا المصدر أو هذا المبدأ سواء سموه إلهًا أو وجودًا أو غير ذلك. وبكيفية الوصول المقصودة التي هي الطرق الخاصة والشرائع المختلفة تتفاوت الأديان، ويستدل بمدى عقلانية تفاصيل العقائد والشرائع للعقل الإنساني على بقاء هذا الدين على صورته الأساسية دون تبديل أو تحريف كما حصل عند الفلاسفة الذين ذكرهم ابن عربي أو في الأديان الأخرى. ونحن كمسلمين نمتلك أدلة على صحة ديننا، وكذلك على مخالفة الأديان الأخرى للعقل أو على عدم امتلاكها لدليل عقلي صحيح على أن تفاصيل عقائدها وشرائعها هي وحي من عند الله عز وجل. ونرى أن الدين هو الطريق الموصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى المطلوبة لذاتها والتي بدونها لا تفهم حقيقة هذا الوجود المحيط بنا على ما هو به في الواقع.

والحاصل أن معرفة الإله ومراتب الوجود وكيفية الوصول إليه مطلوبة لذاتها، ويستحق العارف بها اسم الحكيم لا محب الحكمة أو الساعي تجاهها. ولعل كون أشعار جلال الدين الرومي والذي كان عالماً شرعياً وشيخاً صوفياً هي الأشعار الأكثر مبيعاً في أمريكا عام 2007 يشهد للمعنى الذي أشير إليه. فهذا الشعب الذي لا يظهر في سلوكه التدين لم يكن ليقبل على تلك القصائد مع كونها مترجمة لو لم يجد فيها ضالة كان يبحث عنها. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.

فهذه هي العلاقة التي أراها بين الدين والفلسفة والله أعلم.

اللهم افتح علينا حكمتك، وانشر علينا رحمتك، يا ذا الجلال والإكرام.

On the Blessing that God has Given the Name Ramadan

hgfslgm.png

“كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به” – حديث قدسي

Ramadan starts either tonight or tomorrow, and I pray that it would start tonight. Nobody knows whether they are going to make it till tomorrow or not so the closer Ramadan is, the more likely I am to catch it. In fact, Prophet Muhammad (PBUH) encouraged us to ask God to make us live till Ramadan, for it is the most blessed among all months. It is the time of the year when God’s Mercy is manifest the most for those who are seeking it.

We are told that everything in the world is a manifestation of one of God’s Attributes. All existents are signposts that point towards God for whoever reflects upon them properly. “We will show them Our signs in the horizons and within themselves until it becomes clear to them that it is the truth.” [Qur’an 41:53]

They say that all of God’s Attributes derive from his Supreme Attribute – Mercy. Existence as we know and are most familiar with is governed by space and time, so God has created places that point most powerfully at Him as well as times that have the same function. It is commonly recognized that different places are more beautiful or majestic than others. The same applies to time even though it might not be as evident as in the case of space.

Prophet Muhammad (PBUH) tells us that different times have different bestowments from God, and he advises us to situate ourselves properly in positions where we can receive the most of such bestowments (inna li-rabbikum fi ayyami dahrikum nafahat-in ala fata’arradu laha). One of these times is unquestionably Ramadan. A regular prayer in Ramadan counts as seventy prayers in any other month. Ramadan also has laylat al-qadr that God describes as better than one thousand months. It contains as much opportunities of knowledge, closeness and contentment of God as are present in one thousand months.

Imam Ahmad Sirhindi, a great scholar and Sufi from the Indian subcontinent says that there is an analogy in the fact that the Qur’an was descended upon the Prophet in Ramadan. He says that each Ramadan, the Holy Qur’an descends once more. The Prophet was described by his wife Sayyida Aisha as a “walking Qur’an”. As followers of the Prophet (PBUH), we strive towards being walking Qur’ans as well. Ramadan is when Allah causes the Qur’an to descend upon the hearts of the believers and it is in Ramadan that they get the greatest chance to internally fuse with the meanings of the Qur’an and become closer to what the Prophet (PBUH) embodied. Sirhindi suggests that this might be the reason why Ramadan is called the month of the Qur’an. He says that being in a state of presence with God in Ramadan determines your presence with Him for the whole year. Again, God allows us to gain in one month what could be gained in a whole year. Of course, God’s Mercy is infinite and it is not limited to Ramadan, but Ramadan happens to be the time that God chose for bestowing the most upon his worshippers.

Another important blessing in Ramadan is that the devils get chained. This is something that needs more reflection. Imam Abu Hamid al-Ghazali, who is also a great Persian scholar and Sufi tells us more about that. God has created within us two main faculties: desire and anger. It is through these two faculties that life in this world is maintained. Without the passion of eating and drinking, we would starve and die and without the passion of sex, we would cease to pro-create so the human race would ultimately vanish. As for anger, God created it in us in order to fight injustice, and protect ourselves and others from external threats. However, we observe in the world how excess in each of these faculties is causing trouble, conflict and imbalance in the world. It is through excess use of these faculties that Satan achieves his goals.

The struggle that we go through in Ramadan has twofold significance, one finite and worldly and the other infinite and heavenly. In Ramadan, we are obliged to control the strongest of passions and are strongly encouraged to avoid anger. Fasting is an exercise of self-control that should result in gaining mastery of our inner faculties, in order not to use them excessively, hence, achieving victory over Satan. Ghazali says that “the spirit of fasting is the weakening of the powers that Satan use as means to leading towards evil.” The self-mastery that should result from abiding by the prophetic instructions of avoiding excess food even after Maghrib, avoiding lying, backbiting and making fun of others that is the key to eliminating evil from the world. The evil that results from some people’s love of possession of that which does not belong to them, leading to the disasters that we can most obviously see in the world on different levels, starting from households to global politics.

But this is only the finite worldly benefit of proper fasting, and I emphasize the word proper. There is an infinite, more sacred benefit as well. Fasting opens to us the doors to Paradise. The Prophet (PBUH) advised his wife Sayyida Aisha to “knock upon the doors of Paradise” through hunger. Ghazali tells us that hunger makes us weak, reminding us of our original weakness.  This knowledge of our weakness constitutes a part of the self-knowledge which in all authentic religions is the path towards ultimate knowledge, absolute knowledge, the knowledge of God. Hunger, according to Ghazali, weakens the body, our constituent that belongs to the physical world, allowing us access to our other counterpart, the soul, which belongs to the unseen world (‘alam al-ghayb or ‘alam al-malakut). Someone who has done proper fasting thus becomes ready for laylat al-qadr where a glimpse of the unseen world is revealed, a glimpse that could change our lives eternally.

This is the essence Ramadan. These are the opportunities that we are about to witness. May God allow us all to situate ourselves properly, even if slightly. A very little step of ours towards God is rewarded by multiples of steps from Him towards us. “Whoever walks towards me, I run towards him.”

 

هل يهدد العلم التجريبي الإيمان بالله؟

 البسملة

     تدعي نوعية من الملحدين الذين قابلتهم أن العلم قد فضح إدعاءات الأديان، و أن حقيقة عدم وجود إله لا تختلف عن أي حقيقة توصل العلم إليها، و أن ساعة من التفكير الجاد لن تؤدي بصاحبها إلا إلي الإلحاد. و الحقيقة أنه كما حاول البعض لي أعناق النصوص الدينية ليبرهن علي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، هناك من يحاول لي أعناق العلم ليبرهن به علي عدم وجود الإله، في ظاهرة سماها الحبيب علي الجفري بالإعجاز العلمي في الإلحاد.

صورة من الإنترنت.

صورة من الإنترنت.

     هذه التدوينة ليست محاولة لإثبات وجود الله بالعلم. فأنا لست متخصصا بالعلم و لست علي إطلاع كاف علي النظريات العلمية المختلفة. كما أنني لا أعتقد أن العلم المادي هو السبيل الذي يعرف به وجود الله، حتي و إن كان هناك في عالم المحسوسات ما يدل علي تصميم دقيق. إنما هي محاولة كشف زيف ما يحاول الملحدون تصويره علي أنه حقيقة، الأمر الذي قد يسبب خللا في ثقة بعض المتدينين بدينهم.

     قرأت بحثا أجراه باحثون في جامعة ميتشيغان الأمريكية عن أثر مجال الدراسة علي الإيمان، و علي ممارسة الشعائر الدينية. الباحثون انطلقوا من فكرة أن النظرة العلمية، و النظرة التنموية، و نظرة ما بعد الحداثة للعالم كلها يؤدي إلي فقدان الإيمان بالله. فالأولي تكشف دقائق العالم المحسوس و تشرح كيفية الخلق بما يغني عن اللجوء للدين، و الثانية تزيد من تركيز الإنسان علي الجوانب العملية للحياة علي حساب الجوانب الغيبية، و الثالثة تعطي الإنسان إنطباعا بأن كل شئ نسبي، فبالتالي ما أتي به الدين عن تشريعات، و عن الأخلاق هو أمر نسبي يتغير بتغير الزمان و المكان. و اعتبر الباحثون أن النظرة العلمية تُمَثَّل في مجالات العلوم التجريبية، و النظرة التنموية تُمَثَّل في مجالات إدارة الأعمال و الأموال، و نظرة ما بعد الحداثة تُمَثَّل في مجالات العلوم الإجتماعية.

     دون الخوض في تفاصيل البحث، توصل الباحثون إلي أن دراسة العلوم الإدارية و المالية لا تؤثر علي الإيمان، لكنها تؤثر إيجابيا علي الممارسات الدينية و حضور الشعائر. و توصلوا إلي أن دراسة العلوم التجريبية ليست لها أثر يذكر علي الإيمان. أما دراسة العلوم الإجتماعية فلها تأثير سلبي علي الإيمان، بسبب ما تعطيه من إنطباع أن أمور العقائد و التشريعات و الأخلاق هي نسبية. جدير بالذكر أن العلوم الإجتماعية عندما تتعرض لدراسة الدين، لا تهتم بدراسة محتويات الأديان بقدر ما تركز علي بعض الجوانب الإجتماعية فيه، و هو خلل منهجي لا يخفي علي أصحاب البصائر خاصة الدارس منهم للعلوم الدينية.

     و يؤيد الرأي بأن العلم لا يؤثر سلبا علي الإيمان دراسة أجراها باحثون من عدة جامعات في أمريكية عن الإعتقاد الديني لدي العلماء التجريبيين في أفضل الجامعات. كانت نتيجة الدراسة أن نصف العلماء التجريبيين يؤمن بالأديان و النصف الآخر لا يؤمن بها، إلا أن أكثر من ٨٠ بالمائة من العلماء الغير مؤمنين اختاروا عدم الإيمان قبل سن السادسة عشر من عمرهم، أي أنهم تركوا الإيمان قبل دراستهم الرسمية للعلوم التجريبية، مما يضعف حجة أن العلم كان سبب تركهم له. لكنهم أقبلوا علي العلم برؤية مسبقة، و العجيب أن نسبة العلماء التجريبيين المعادين للدين لا تتعدي ١٢ بالمائة في أقصي تقدير. و هذه النتائج تؤيد ما قاله الشيخ علي جمعة عن أن كل منا يُقبِل علي عالم المحسوسات بنظرته، فالمؤمن يراه من عجائب قدرة الله، و غير المؤمن يُحجب بمعرفة تفاصيل الكون عن الأسباب و الحكم من ورائة. و يبقي الفيصل بينهم هو الدليل العقلي المجرد، الذي هو الأصل عند المسلمين في الإستدلال علي وجود الله.

     و هذا الرأي لا ينفرد به المتدينون الذين يدافعون عن دينهم. فالفيزيائي بيتر هيغز الحاصل علي جائزة نوبل يقول أنه ملحد بسبب خلفيته العائلية، و أنه لا يري إستحالة الجمع بين الإيمان و نتائج العلم التجريبي، بل و يصف ريتشارد دوكنز بأنه إنسان يهاجم المتطرفين بالرغم من كونه هو أيضا متطرف. و عن ريتشارد دوكنز، يقول الفيلسوف التطوري مايكل روس أنه يشعر بالخجل من كونه ملحد عندما يتعرض لأفكاره. و فرانسيس كولينز رئيس مشروع الجينوم البشري و الذي آمن في سن السابعة و العشرين يقول أن العلم التجريبي له حدود، و أنه لا يستطيع أن يجيب عن الأسئلة المعنية بالله، و بالمعني وراء الحياة. و يؤيده في ذلك الفيزيائي و الروائي الملحد آلان لايتمان و الذي يدرّس بمعهد ماستشوستس للتكنولوجيا (إم.آي.تي). و من الملحدين أيضا هاجم الفيزيائيُّ و الفيلسوف ديفيد ألبرت الفيزيائيَّ الملحد لورينس كراوس بأن محاولة رفضه للأديان لأنها فكرة غبية و تخالف العلم هي فكرة سخيفة و مثيرة للشفقة. فهل يترك ذلك مجالا للسفهاء من الملحدين الذين يدعون أن العلم هدم الإيمان، و أن كل مؤمن جاهل بالضرورة؟

     هذه الآراء كلها آراء حيادية، لا تنتصر للدين بقدر ما تدفع الإفتراءات عنه. لكن هناك مدرسة اسمها مدرسة التصميم الذكي لها إنتشار واسع الآن في الجامعات الغربية لكنها مضطهدة، بل و تم إستبعاد من ينشر أبحاثهم في المجلات العلمية، و لمن أراد أن يستزيد أن يشاهد الفِلم الوثائقي “المطرودون”. و قد أصدر أصحاب هذه المدرسة بيانا لرفض بعض تفاصيل الداروينية وقع عليه أكثر من ٥٠٠ عالم تجريبي فضلا عن الرياضيين و المهندسين و فلاسفة العلوم. و في مثل هذا الجهد فليشارك المسلمون، و لكن لن يكون لعملهم جدوي إن لم يتقنوا العلوم التجريبية إتقانا تاما، و كذلك العلوم العقلية الإسلامية، حتي يكون إصدارهم إضافة جديدة للعلوم، و مشاركة للإنسانية في إبراز المعارف، و إخراجا للعلوم من أسر الفلسفات المادية. و الله المستعان.

من الجامعة الأمريكية إلي زوايا المشايخ؟

البسملة

“ينبغي أن نتعلم لكي نصبح أناساً أفضل، لا لكي نجمع قدراً أكبر من المال”
الشيخ حمزة يوسف

     كتبت من قبل عن التحولات العديدة التي مررت بها في حياتي. كان الأصدقاء و الأهل يعتبرونها نوعا من أنواع التشتت و عدم وضوح الرؤية، و كذلك شعرت في لحظات الفشل أو ضعف الثقة. كنت أببر لنفسي تلك التقلبات بأنها تطورات و ليست تقلبات. أي أني أخرج من كل مرحلة إلي الأخري بدراية أكبر بطبيعة شخصيتي، و نقاط القوة و الضعف بها. هذا مع الإعتراف بأن جل التقلبات تضمّن إما حظا للنفس، أو هروبا من مسئولية، لكنها طبيعة الإنسان الذي لم تتزكي نفسه.

     دائما ما سخر مني الأصدقاء المقرب منهم و غير المقرب، و كثيرا ما سمعت منهم مع بداية كل سنة أو فصل دراسي تساؤلاتهم عن الشكل الذي سأظهر به في المرحلة القادمة، و علي أي أساس يتعاملون معي. هل يتعاملون مع مهووس الكرة، أم مع الناشط السياسي، أم مع الشاب الرياضي … إلخ. لكن في الفترة الأخيرة، و مع ظهور مقدمات لثبات إهتماماتي تحولت تساؤلاتهم إلي تساؤلات حقيقية عن الدوافع التي أدت بي إلي الإهتمام بالموضوع الفلاني، أو الإعجاب بالشخصية الفلانية، أو سلوك المسلك الفلاني. و من السهل علي من يعرفني و لو معرفة سطحية أن يصيب في توقعه لمواضيع التساؤلات التي  تُطرح عليّ في الآونة الأخيرة.

     لم هذا الإهتمام الشديد بالدين؟ ما تلك الموالد التي تحضرها؟ ما سر تأثرك الشديد بوفاة الشيخ أكرم؟ كيف و أنت خريج كلية الأقتصاد بالجامعة الأمريكية تنضم لمؤسسة بعيدة كل البعد عن مجال دراستك، دون أن يكون لك سلم وظيفي كالذي توفره لك الوظائف الأخري المتاحة؟

     الحقيقة أني لا أستغرب أبدا وجود تلك التساؤلات، بل أستغرب عدم وجودها. إذ كيف يهتم شاب في الجامعة الأمريكية هذا الإهتمام المفاجئ بالدين و ليست لعائلته أي إنتماءات تنظيمية؟ و كيف لشاب متعلم من طبقة فوق المتوسطة أن يواظب علي حضور الموالد وسط الفلاحين و الدراويش؟ و كيف تكون وفاة شيخ من جملة الشيوخ مؤثرة إلي ذلك الحد الذي ظهر عليه؟ أم كيف يترك الوظائف المضمونة و المرموقة و ينضم لمؤسسة ليس لها اسم كبير في عالم الشركات، و في مجال لن ينفعه عمليا إن قرر العودة للعمل بتخصصه الجامعي؟ و الإجابات المقنعة موجودة بحول الله.

     من الممكن مناقشة إهتمامي المفاجئ بالدين و ما ترتب عليه من تصرفات أو قرارات في ثلاث نقاط: أهمية الدين في حياة الإنسان، و ثراء التراث الديني، و صفاء مسلك أهل الله من الأولياء و الصالحين.

     قال الله سبحانه و تعالي في كتابه {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون}، و قال {و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}. المستشعر لمعني كون هذه الآيات منزلة من رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن صورة، و الحيوانات بأصنافها المتدرجة في التعقيد، و النباتات بأنواعها المحتلفة، و الجمادات المؤلفة من الذرات الدقيقة و المعقدة، يقف أمام هذه الآيات متأملا كون أن هذه الحياة لم تخلق عبثا، و أن لله سبحانه و تعالي مراد من خلق هذه الحياة.  فيجد أن الكتاب الذي أنزله الله ليكون رسالته الأخيرة إلي خلقه يقول أن المراد من هذه الحياة هو العبادة. و من معني عدم العبث أن الله ما أرسل رسالاته ليكون مضمونها محل أخد و رد من الخلق، إذ ملك هذا الكون هو المتصرف الوحيد فيه، و الواضع الوحيد لقوانينه، و الأدري بما يصلح فيه و ما لا يصلح. و هو الذي وعد من اتبع سبيله بسعادة الدارين، و توعد لمن اتبع غير سبيله مع وصول الرسالة إليه بشقاء الدارين {من عمل صالحا من ذكر أو أنثي و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، {و لمن خاف مقام ربه جنتان}، {و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمي}. إذن فالعقل البشري يتعجب ممن يقول أنه مؤمن بكون القرآن الكريم كلام الله، ثم لا يفتش في هذا الدين باحثا عن الحكمة، و الهدف من تلك الحياة، ليكتفي بما نتج عن فهم الخطاب الإلهي لمعني الحياة و دور الإنسان فيها عن البحث فيما قاله آخرون في نفس المواضيع. خاصة إن كانت الأفكار الأخري انبثقت من حضارة أنكرت الغيب، و حكمت العقول الغير معصومة علي نصوص إلهية صريحة لا تقبل التأويل. و في هذا ما فيه من إساءة الأدب مع الخالق جل جلاله.

     و الذي يسلِّم بأن الوحي ينبغي أن يكون القائد و الملهم لشتي أفعال الإنسان المؤمن يبحث عما يلهمه في هذا الدين بما يتناسب مع ميوله و إهتماماته ( و ذلك بعد أن يتبع أوامر و نواهي الشرع قدر المستطاع). فالمعلم يبحث عن معاني التربية و التزكية و تنمية العقول، و الطبيب يبحث عن الإنسانية، و الحرفي يبحث عن الدقة، و المعماري يبحث عن الجمال … إلخ. و مع ما قد يُتصور للوهلة الأولي من صعوبة تلك المهام، فالأمر لم يكن كذلك قبل قرنين مضوا، و السبب كان تواجد العلماء بين الناس في حياتهم اليومية. فما كان علي الإنسان إلا التوجه إلي شيخ الزاوية القريبة من بيته فيسأله عما يتعلق بعمله من أحكام و آداب، فيتعلمها و يعمل بها. أمّا الآن و قد غاب تواجد العلماء بين الناس، صعب علي الناس تصور تلك المعاني، و غاب الفهم المتكامل للدين فنتجت مفاهيم متباينة عن دور الدين في حياة الإنسان، عبر عنها الحبيب علي الجفري في خاطرة له بعنوان «قضية الشباب».

     و قد وفقني الله تعالي بأن تعرفت علي قدر ليس بالقليل من التراث إما عن طريق التواصل مع المشايخ أو القراءة في كتبهم. فصدمت بإنعكاسات العقيدة علي التخطيط المعماري التي جعلت المسجد في منتصف الحي، و ألحقت به المدارس ثم جعلت الأسواق في الدائرة المحيطة للمساجد ثم من بعدها البيوت. و في هذا تعبير عن مركزية المسجد و خطاب التوحيد في الحي، و الصلة الوثيقة بين العلم و المعرفة و بين الدين، إذ كانت مدارس المساجد تعقد حلقات العلم في العلوم الشرعية، و كذلك في الطب، و الفلك، و الرياضيات و غيرها. ثم وضعت الأسواق بالقرب من المساجد بحيث يسهل علي التجار حضور الجماعات، مما يحثهم علي الطاعة و يؤلف بين قلوبهم. ناهيك عن صلة دقائق الزخرفات بمعاني التوحيد، و غيرها من الملامح التي لا يتسع المجال لذكرها.

جانب من درس الشيخ المفكر عبد الحكيم مراد في برنامج الرحلة السنوي. الصورة من مدونة الخواجة.

جانب من درس الشيخ المفكر عبد الحكيم مراد في برنامج الرحلة السنوي. الصورة من مدونة الخواجة.

      و تأثرت أيضا بأسبقية المسلمين الفكرية في مجالات عدة، يكفي فيها تطرق الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” لمسألة توزيع المهام بين العاملين، قبل أن يدخل آدم سميث التاريخ بتوصله إلي تلك النظرية بعد مرور أكثر من ستة قرون علي وفاة الإمام الغزالي (العجيب أن آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” يضرب نفس الأمثلة التي ضربها الإمام رحمه الله). و فوجئت بدراية شيخ الإسلام حسن العطار بالتفاصيل الفيزيائية للصواعق الكهربائية التي عذب بها أصحابُ الحملة الفرنسية أهلَ مصر، مع ذلك لم يفكر في تصميمها إذ أنها لا تعتبر إختراعا نافعا طبقا لأولوياته و رؤاه. و لا يتسع المجال أيضا لسرد ما كان عليه علماء المسلمين لإدراك للواقع، و كذلك حال العلماء المعاصرين الذين تلقوا العلوم بنفس منهج أسلافهم. و بما أن إهتماماتي الأساسية فكرية، كانت هذه الأمثلة كافية لإقناعي بأن التراث فيه ما يروي ظمأي للمعرفة، فنويت طلب قدر من العلم الشرعي، و الله المستعان.

     أما ما يتعلق بالمحبة التي يصفها البعض بالمتجاوزة للحد للصالحين، فهي ترجع إلي كونهم أكثر من عرفت إتباعا لأشرف الخلق صلي الله عليه و سلم، و علي من يشكك في كون إتباعه في الأمور الظاهرة و الباطنة هو سبيل الكمال أن يراجع نفسه. و إذا خصصنا الحديث بالكلام عن الشيخ أكرم مظهر رحمه الله و رفع درجاته، و تأملنا ما رأيناه منه، لوجدناه من أقرب ما يكون لما جاء في وصف رسول الله صلي الله عليه و سلم. فقد كان ممتثلا لأوامر الشرع و مناهيه ظاهرا و باطنا، داعيا إلي الله علي بصيرة. أفني عمره في الأخذ بيد الناس إلي محبة الله و رسوله و آل البيت، و لم يطلب منهم أجرا بل كان هو من يقوم في خدمتهم. و كان في الأسفار لا ينام إلا بعد أن ينام المريدون، و ذلك بعد أن يرتب لهم أمورهم. و كان ضاحكا بساما، من رآه هابه و من عرفه أحبه. و كان أكثر من عرفت تواضعا لا يري لنفسه قدرا علي أحد من خلقه، و كان يتعجب من المحبة الشديدة التي نكنها له. و كان لا يجالس الحكام، و ابتعد عن أحد أعز أصدقائه طوال فترة توليه الوزارة. و مع ذلك لم ينكر أبدا علي من يخالطهم، و ذلك لسعة رؤيته، و علمه بإختلاف المسالك، و حسن ظنه بجميع الخلق. و كان شديد المحبة لأبنائه صلبا و طريقا، لا يثقل عليهم بل يتحمل عنهم. و  قد أحسن الأستاذ أحمد فتح الباب الذي قال في رثائه:

و إن يك بعض الناس حملا علي الوري * فقد كان يحمل صحبه و يعول

يقيم لأهل الله في الأرض منزلا * و يلقي نداه متعب و عليل

يعلم دين الله حبا و حكمة * و ليس سواء عارف و جهول

و ينمي لذي العينين في الله وصله * و ما في رحاب الشيخ قط ذليل

فأي عاقل يعرف مثل هذا و لا يجنّ بحبه؟

     و قد أجمع الصالحون عن تجربة علي أنهم ما وصلوا إلي ما وصلوا إليه من إستقامة إلا بصحبة الأولياء و محبتهم، و ذكر الله، و محبة آل بيت رسول الله الذين هم طريقنا إليه، و هو صلي الله عليه و سلم مفتاح باب معرفة الله التي هي غاية كل مسلم. و في الحديث «أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني لحب الله، و أحبوا آل بيتي لحبي». و ما أقيمت الموالد و مجالس الذكر إلا لزرع و إنماء هذه المحبة، فالموالد و مجالس الذكر تجمع بين قراءة القرآن الكريم، و سماع خطب الوعظ، و سماع إنشاد كلام أهل الله الذي يصف أحوالهم في محبة الله و رسوله و آل بيته التي جاء الأمر بها صريحا في الكتاب و السنة. و في الإنشاد ما فيه من حسن الذوق الأدبي و المعنوي، و جميل المحبة، فضلا عن ما يأخذ الأرواح و يُنشيها من طرب. و لا يصح أن ننكر علي أهل الموالد بسبب المخالفات التي تحصل من بعضهم، فقد اعتري الموالد ما اعتري سائر شئون الأمة من تأخر، و تسطيح، و تعلق بالظواهر و الإبتعاد عن المقاصد، و جهل بالشرع الشريف. كما أن الحكم علي الكل بالبعض باطل، و مثاله ما يحكم به البعض علي الإسلام بسبب تصرفات الكثير من أتباعه.

     قال الحبيب علي الجفري مرة أن الشباب يبحث عن الحق، و العدل، و الجمال. فإن كنت تري صحة هذه المقولة، فلا تتعجب ممن وجد ملاذه في هذا الدين إن فهمه كما فهمه ورثة الأنبياء. اللهم دلنا علي من يدلنا عليك، و أوصلنا إلي من يوصلنا إليك، و ارزقنا تمام الأدب معهم، و علمنا الذي ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا.

إيمان آنتوني فلو: دعوة للعودة إلي التراث

608px-Basmala.svg

   قال لي أحد الأصدقاء يوما أنه مؤمن بأن قصة حياتي ستكون مثيرة للإهتمام عندما أحكيها لأولادي. أعتقد أنه مصيب في إعتقاده (إن مد الله في عمري و رزقني بالأولاد)، إليكم الأسباب. طالما تمنيت أن أكون طبيبا إنسانا متمكنا، إقتداء بالوالد حفظه الله. و قد صاحبني هذا التمني طوال سنوات دراستي المدرسية إلا في فترة زاد فيها هوسي بالنادي الأهلي، تمنيت خلالها أن أصبح ناقدا رياضيا، عدت بعدها إلي صوابي سريعا. و عندما حان موعد إختيار التخصص الجامعي، اخترت دراسة هندسة الميكانيكا بالجامعة الأمريكية. لم تمض السنة الأولي إلا و قد إنتقلت إلي قسم الكمبيوتر، قبل أن أنتقل إلي قسم الإقتصاد رغبة في أن يكون لي دور في القضاء علي الفقر في البلاد، من خلال المشاركة الرسمية في السياسة!

   و في السنة الآخيرة من دراستي، تعرضت لدراسة المنطق الصوري و أصول الفقه علي يد علماء أزهريين، بعد عام من صحبة سيدي الشيخ محمد أكرم عقيل مظهر -رحمه الله و رفع درجاته- تيقنت بعدها أن العلوم الشرعية سيكون لها دور كبير في حياتي، خاصة و أني قد زاد إهتمامي في الفترة الأخيرة بالقضايا الفكرية و خاصة ظاهرة الإلحاد. أخيرا، تُوجت مرحلة التقلبات بأن تشرفت بالخدمة في مؤسسة تعمل علي إعادة تأهيل الخطاب الإسلامي.

   الشاهد في رحلتي أني مررت بكثير من المراحل و التقلبات في حياتي، كانت لكل مرحلة منها دور في تكويني الفكري. و المرحلة التي أمر بها الآن هي الأخطر إذ أني عدت إلي أصل الأفكار التي طالما شغلتني، و هي الأسئلة الكبري المتعلقة بالدين و الفلسفة. بدأت قبل أيام القراءة في متن (كتاب مختصر) في علم الكلام، و هو العلم المعني بالأدلة العقلية علي العقائد الإسلامية. تزامن ذلك مع قراءتي لكتاب طالما وددت أن أقرأه لكني تأخرت في شرائه، و هو “هناك رب” للفيلسوف الإنكليزي آنتوني فلو، و الذي وجدته في مكتبة المؤسسة التي أخدم بها فعكفت علي القراءة فيه بعد إنتهاء ساعات العمل و لمدة أربعة أيام، كانت لها أثر كبير في نظرتي للتراث الذي لم أنتقص منه يوما، بل دائما ما دعوت إلي العودة إليه (مع جهلي الكبير به).

   كان تعرفي علي كتاب فلو من خلال متابعتي لبرنامج “رحلة اليقين” للداعية الأستاذ معز مسعود عام ٢٠١٢. بدا لي حينها أنه من المؤكد أنه كتاب مفيد، و أنه عليّ أن أقرأه في يوم من الأيام علي سبيل زيادة اليقين، لكن الحاجة لم تكن ملحة. ثم جاء برنامج “لحظة سكون” للحبيب علي الجفري و شدد الحبيب علي أهمية الكتاب في أكثر من حلقة جعلتني أشعر بأنه هناك شئ من المبالغة في أهمية الكتاب، إذ أنه لو كانت به الإجابات عن الأسئلة و التشككات الملحة لكان أكثر إنتشارا بين الناس، و لكان وضع حدا للإنتشار السرطاني لظاهرة الإلحاد التي تعصف بالمنطقة.

   يبدأ فلو كتابه بسرد قصة إلحاده، و التي بدأت مع عدم شعوره بالعلاقة الشخصية مع الله التي كان والده الداعية المسيحي يحدثه عنها، ثم تحولت إلي شعور بعدم وجود الله إذ أن وجود الشر في العالم لا يتسق مع وجود الإله المحب الذي لا يرضي لنا إلا ما يسعدنا، و الذي لا يتدخل لإنهاء الشر في العالم و بذلك إما أن يكون غير قادرا أو غير محبا. لم يجد فلو حرجا في أن يصرح بأن توصله إلي عدم وجود إله غلبت عليه السرعة و السهولة، و أنه كان للأسباب الخاطئة كما بدا له لاحقا*. و في هذه العبارة فائدتين. الأولي أننا نتعجب ممن بني صيته و نجاحه طوال سبعة عقود علي فكر ثم يعترف بخطئه أمام جمهوره، و أمام معارضيه الفكريين الذين شاركوه حلبات المناظرة. ما هذه الجرأة، و ما هذا الحق الذي لا يحتمل التراجع الذي جعله يقول بمرأي و مسمع من العالم: كنت مخطئا، و كان الصواب في صفكم! الفائدة الثانية هنا للشباب الذي تسرع لإتخاذ موقفه من وجود الإله، و الذي يفخر بأن قرار الإلحاد كان نتيجة “لحظة” من التفكير الجاد كما يزعمون، ألا يستدعي ذلك منكم وقفة مع النفس قبل التسرع لإتخاذ ذلك الحكم؟ خاصة و أن الدرس قد جاء من رجل أفني عمره فيما أنتم مقبلون عليه و ليس ممن أخذوا دينهم بالوراثة، أو يدافعون عنه من أجل الإرتزاق كما تزعمون!

بعد سبعين عاما من الإلحاد، و التتويج كأحد أشرس ملحدي القرن العشرين، آنتوني فلو يتراجع عن إلحاده

بعد سبعين عاما من الإلحاد، و التتويج كأحد أشرس ملحدي القرن .العشرين، آنتوني فلو يتراجع عن إلحاده. الصورة من الإنترنت

   يستأنف فلو كتابه بذكره الأسئلة التي دعته لإعادة تقييم موقفه و هي: (١) خضوع الطبيعة لقوانين، (٢) وجود الحياة و دقة تصميم الكون، (٣) وجود الطبيعة. بعد البحث في تلك الأسئلة، تبين له سخافة القول بأن الكون جاء صدفة و أنه لا حاجة لإله. و تعرض لإستغلال الملحدين لأقوال بعض العلماء لإثبات دعواهم، هذه الوسيلة التي سماها الحبيب علي الجفري “الإعجاز العلمي للإلحاد” و هي محاولة كاذبة لتصوير أن العلم الحديث هدم فكرة الإله. علي سبيل المثال نقل فلو بعض المقولات لأينشتاين و التي تؤكد أنه ليس ملحدا كما زعم البعض، بل توضح أنه مؤمن بروح صممت هذا الكون و أن هذا الإيمان يشبه إيمان المتدينين (أي في قوته، و ليس نوعه). ينقل فلو أيضا كلام الفيزيائي إروين شرودينغر (من رواد فيزياء الكم في العالم) عن أن هناك مفاهيم لا يستطيع العلم أن يصفها كحَمار الأحمر، و زَراق الأزرق، و الطعم الحلو، و الطعم المر، و السعادة، و الحزن، و الجمال، و القبح، و كذلك الإله و الخلود.و يضيف شرودينغر أن العلم يصطنع الإجابات عن تلك الأسئلة لكنها غالبا ما تكون سخيفة و لا يؤبه بها. كذلك ينقل عن الفيزيائي بول ديفيز كلامه عن التصميم البديع لقوانين الطبيعة و التي تبدو و كأنها صممت خصيصا من أجل وجود حياة علي الأرض، إذ أن أدق تغيير في تركيبة الأرض الفيزيائية يمنع وجود حياة عليها بل و قد يؤدي إلي إنفجار الأرض لحظة نشأتها**. و المنقولات من الفيزياء أوسع من نطاق هذه التدوينة. و يظهر فلو إستعجابه من قول بعضهم بأن دقة الكون ترجع لوجود عدد لامتناهي من الأكوان في أبعاد زمانية و مكانية مختلفة فلذلك وجب أن يخرج واحدا منهم بهذه التركيبة الفريدة المؤهلة لوجود الحياة، مع العلم أنه كما لا يوجد دليل تجريبي علي وجود الله، فلا يوجد دليل علي وجود أكوان غير الكون الذي نعيش فيه. مفاد ذلك أن الملحدين يرون أن إحتمالية وجود ثلاث مائة ترليون كون غير الذي نعيش فيه (هذا الرقم أقل من الذي يفترضونه) أرجح من إحتمالية وجود إله خالق لهذا الكون. ذلك مع العلم أن وجود أكوان لا متناهية كما يزعمون لا يفسر وجود قوانين تحكم الطبيعة. ثم يأتي ريتشارد دوكنز و يقول أن خيار الإله أكثر تعقيدا من الخيارات الأخري المتوفرة لدينا***. أما عن نشأة الحياة فيقول فلو أن النظريات التي وضعها علماء الأحياء لتفسير تطور المخلوقات من خلايا بسيطة إلي الصورة التي نراها عليها الآن هي متسقة مع الإكتشافات العلمية الأحيائية، إلا أن الزمن الذي تحتاجه تلك العملية التطورية هو أطول من عُمْر الكون الذي توصل إليه علماء الفيزياء، فمتي تطورت هذه الكائنات؟**** كذلك أشار إلي تركيبات في الحمض النووي يستحيل أن تكون وليدة للصدفة. و أخيرا تطرق فلو لقضية بداية الكون، و التي اعتقَد سابقا إلي أنها لم تكن، إذ أن الكون أزلي. لكن الفيزياء جاءت لنا بنظرية الإنفجار الكوني العظيم التي سببت حرجا له و لغيره من الملحدين، مما دعاه إلي التساؤل: من أين جاءت البداية؟ حينها لجأ فلو إلي الحجة الكونية، و هي حجة فلسفية عقلية لا علمية تجريبية لمعرفة سبب الإنفجار و نشأة الكون، إذ أن الحجة العلمية التجريبية تقتضي قانونا، و القانون هنا سيكون أن العدم يؤدي إلي نشأة الكون، و أن هذه التجرية ستؤدي إلي نفس النتيجة كل مرة، و هو أمر غير معقول. رأي فلو أن ما يرجحه العقل هو وجود إله خالق لهذا الكون. و بذلك توصل فلو إلي أنه هناك خالق واجب الوجود، عالم، قادر، مخالف للحوادث، و هي أربع من أصل عشرين صفة أوجبها علماء الكلام لله سبحانه تعالي.

   يتبقي لنا الآن السبب الأول لإلحاد فلو و هو معضلة الشر، و الذي سبق و أشرت إلي تعبير فلو عنه بالسبب الخاطئ. يرجع بنا فلو إليه في الصفحة التي تسبق الصفحة قبل الأخيرة من الكتاب بقوله أنه فلسفيا، هذه قضية مختلفة عن قضية وجود الله التي نتوصل إليها من التأمل في الطبيعة، إذ أن وجود الله لا يعتمد علي وجود الشر. و هنا أشير إلي أهمية علم المنطق و الذي تثبت تطورات الأفكار في العالم يوما بعد يوم إلي حاجة العالم إيه. فالمنطق تعريفا هو علم تعصم مراعاته صاحبه من الوقوع في الخطأ. و من الأخطاء المنطقية التي نعاني منها اليوم القفز. بمعني أننا نقفز إلي نتيجة دون أن نمتلك مقدماتها، و مما لا يخفي عليكم أن النتيجة المنطقية تحتاج إلي مقدمتين و إليكم مثالا:

مقدمة أولي: زيد مصري

مقدمة ثانية: كل مصري إفريقي

نتيجة: زيد إفريقي

هنا لا يختلف عاقلان أنه إذا اتفقنا علي المقدمتين، فعلينا قطعا أن نحكم بالنتيجة المتوصل إليها. أما إذا اختلفنا لجهل واحد منا بأن مصر تقع في إفريقيا، فقد نختلف حتي يتبين خطأ المخطئ. إذن فالوصول إلي نتيجة يحتاج إلي الإتفاق علي المقدمات.إذن لو جاء أحد الناس فقال: عمرو عربي (أي أن لغته الأم هي العربية) لأنه مغربيا، وجب علينا أن نضع المقولة تحت ميزان المنطق حتي لو بدت لنا من البديهيات، و إذا وضعناها علي المنطق بدت كالآتي:

مقدمة أولي: عمرو مغربي

مقدمة ثانية: كل مغربي عربي

نتيجة: عمرو عربي

إذا تأملنا المقولة وجدنا بها خللا منطقيا، إذ أن القائل قفز من المقدمة الأولي إلي النتيجة دون أن يضع في حسبانه أن المقدمة الثانية قد تكون باطلة و ذلك لأن الأمازيغي مثلا مغربي لكنه ليس عربي. و هذا هو بالضبط ما وقع فيه الملحد بسبب الشر. و الخلل المنطقي هنا في معضلة الشر واضح جلي. الملحد يقدم لنا معضلة الشر كالآتي:

مقدمة أولي: الشر موجود

مقدمة ثانية: الله لا يحب الشر لنا

نتيجة: الله غير موجود

و هنا يذكر فلو أنه لدينا خيارين لتفسير وجود الشر: الأول أن الله لا يتدخل في شئون الحياة إنما خلق الكون و تركه و لم يتواصل معه، و الثاني أن الله خلق الكون و جعل الإنسان المخيّر تؤدي به أفعاله إلي الشر، و كلاهما لا يتعارض مع وجوده. و أضيف أنه في عقيدة المسلمين عاملَين مهمين: الأول أن الدنيا محل إختبار و الآخرة محل حساب، فالمتسبب في الشر في الدنيا يعاقب في الآخرة، و المصاب بالشر له ثوابه. الآخر أننا نعتقد أن الله كما أنه رحيم فإنه ملك، يفعل في ملكه ما يشاء، و له حكمته في صنعه و لا يحتاج في إنفاذ أمره و هو العليم الخبير لإدراك عقولنا القاصرة، إذ أننا قد سلمنا سابقا لوجوده بالدليل العقلي الذي لا يدع مجالا للشك. بعدما تبين لنا ذلك لنا أن نعرض نعرض قضية معضلة الشر ثانية:

مقدمة أولي: الشر موجود

اقدمة الثانية: الله لا يحب الشر لنا

مقدمة الثالثة: وجود الله ثابت بالدليل العقلي

مقدمة الرابعة: العدل سيتحقق في الآخرة و هي محل الحياة الأبدية

مقدمة الخامسة: الله -بخلاف عقولنا- له العلم الكامل

نتيجة: الله غير موجود

بعدما وضحنا، أصبح من السخيف أن يعرض أحدهم أمامنا تلك المقدمات الخمس، ثم يقول لنا: ألا ترون أن تلك المقدمات تستدعي عدم وجود إله خالق للكون؟ و للأسف، رغم وضوح هذه السخافة يقع فيها الكثير من الخلق عبر التاريخ فيلحدون، أو يتشككون في دينهم و يتحيرون ثم يجدون الإجابة في أبسط ما يكون. وحتي تكون قضيته صحيحة لدي أهل المنطق كان عليه أن يقول:

مقدمة أولي: الشر موجود

مقدمة ثانية: الله لا يحب الشر لنا

مقدمة ثالثة: الله يجب أن يكون قادرا

مقدمة ثالثة: عدم حب الله الشر لنا يقتضي عدم إرادته

نتيجة أولي: الشر يقع مع عدم إرادة الله له

نتيجة ثانية: الله غير قادر

نتيجة ثالثة: الله غير موجود

هنا نلاحظ التفرقة بين إرادة الله، و حبه للشر. إذ أن المقدمة الثالثة باطلة، لأن الخير و الشر المطلق لا يعرف إلا بعلم كلي، و واقعة شر معينة لا تقتضي الشر المطلق إذ أننا دائما ما نواجه أمورا تحزننا ثم يمر الزمان و نستوعب أنها كانت من التدبير الإلهي لخير أكبر من الخير الذي فاتنا سواء كان في الدنيا أو الآخرة، و هذا هو مقتضي العدل الإلهي و هو مبحث مختلف. لذلك قد يريد الله ما نراه شرا و لا يتعارض ذلك مع ألوهيته. و بفساد المقدمة الثالثة تفسد النتائج الثلاث و الله تعالي أعلم.

   هنا ينتهي الكلام عن أهمية الكتاب كمحتوي علمي و أشرع في أهميته بالنسبة للمسلمين. تسببت مواضيع هذا الكتاب في دفعة ثقة لديّ ليست بالدين، بل بالتراث الديني. إطلاعي علي قضايا الإلحاد المعاصر لم يكن من خلال كتب منظريهم بل من خلال عشرات الشباب الملحدين الذين التقيت بهم. كان بداخلي شعور أنه من المستحيل أن يكون الإلحاد، ذلك الفكر الشائع في الحضارة الحديثة بالهشاشة التي يعرضها هؤلاء الشباب. كان عندي تخوف من مطالعة كتبهم فأري قضايا لم يسبق لي التفكير فيها لكني لم أجد ذلك في حديث فلو عن إلحاده و إلحاد أقرانه، ذلك مع القيمة الإلحادية التي كان يمثلها فلو طوال النصف الثاني من القرن العشرين. العجيب أن قضاياهم بأجمعها قد ناقشها القرآن من باب الإخبار، و إستخدم الأدلة العقلية في بعضها، و ناقش علماء الكلام تفاصيلها العقلية و المنطقية عبر القرون مع إختلاف التمثيل (ضرب المثل من الواقع المعيش) بما يناسب كل عصر. فقد قال سبحانه و تعالي {سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق}، و قال {صنع الله الذي أتقن كل شئ}، و قال {ما تري في خلق الرحمن من تفاوت}، و قال {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله علي كل شئ قدير}، و قال علي لسان سيدنا إبراهيم متحديا النمرود بقوانين الطبيعة {فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}. 

صورة من الإنترنت

صورة من الإنترنت

   و في تبسيط معاني العقيدة و إثبات وجود الخالق قال صاحب جوهرة التوحيد و هي أبيات تدرّس للمبتدئ في علم الكلام، بسيطة يسهل حفظها علي الأطفال الذين يتعلمون مبادئ دينهم:

إذ كل من قلد في التوحيدِ * إيمانه لم يخلُ من ترديدِ

ففيه بعض القوم يحكي الخُلفا * و بعضهم حقق فيه الكشفا

فقال إن يجزم بقول الغيرِ * كفي و إلا لم يزل في الضَيرِ

و اجزم بأن أولا مما يجب * معرفةٌ و فيه خُلفٌ منتصب

فانظر إلي نفسك ثم انتقلِ * للعالَم العلويّ ثم السفلي

تجد به صنعا بديع الحِكمِ * لكن به قام دليل العدمِ

و كل من جاز عليه العدمُ * عليه قطعا يستحيل القِدَمُ

   هنا يوضح المصنف أن التقليد (الإتباع بدون دليل) في العلم المختص بتوحيد الله لا يخلو من ترديد في الإيمان، و أن العلماء اختلفوا علي صحة إيمان هذا المقلد و لهم تفاصيلهم، و هذا الكلام حجة علي من يقول أن الدين يدعو إلي وراثة الإعتقاد دون تحكيم العقل، و نرد عليه بأنه جاهل بما يعلمه الطفل الذي تلقي تعليما تراثيا. ثم انتقل إلي أول ما يجب علي المسلم معرفته و هو وجوب وجود الله عز و جل و السبيل إلي ذلك النظر في نفس الإنسان ثم في السماوات و الأرض حتي يجد الأدلة علي وجود خالق، و هي ذات الأدلة التي قادت فلو إلي الإيمان مع إختلاف تفاصيلها حسب العلم المتاح في كل عصر من العصور. ثم في البيت الأخير مما ذكرناه يتطرق إلي الدليل علي حدوث العالم (كونه غير أزلي أي له بداية) و في شرحه تفصيل لسنا بحاجة إليه الآن، إلا أن العقل سبق العلم الحديث في معرفة كون الكون حادث. المهم أن هذا التراث به جواهر كتلك الجوهرة التي نقلت عنها، مع آلاف الشروح و الحواشي (شروح علي الشروح) تكفي للتخلص من الشبهات و التشككات التي تعرض علينا في زماننا. و هي أيضا رد بليغ علي من ينتقد التراث و يدعو إلي رفضه بحكم ظلاميته، مع عدم قدرة هذا المنتقد علي دفع الشبهات و التشككات التي تواجهنا اليوم، بل عجزه عن فهم ما جاء به التراث نظرا للتعليم السطحي و الثقافة المزيفة التي تلقاها، و هيمنة التسرع و الإنفعال علي العصر لينتج لنا كل قبيح و ينسبه إلي المعرفة.

   سيقول البعض أن كتب التراث صعبة، و أن لغتها لا تناسب العصر، أو أن منطقها بعيد عن عقول اليوم و هو كلام صحيح، لكن الله ائتمن العلماء علي فهم دينه، و هم موجودون فيما بيننا يسهلون الصعب، و يبسطون المعقد، و يحلون المشكل، و يمثلون بما يناسب العصر. إذ قال في كتابه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، و جاء علي لسان نبيه صلي الله عليه و سلم أن «العلماء ورثة الأنبياء»، و جاء عنه أيضا أن «الأنبياء لا يورثوا درهما و لا دينارا، إنما ورثوا العلم».  فها هو الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي يناظر الطيب التزيني بلغة العصر، و يكتب كتابه “كبري اليقينيات الكونية” يبرهن فيه علي وجود الله، و يوضح مسائل العقيدة الإسلامية بالأدلة العقلية و النقلية، و كتابه “المذاهب التوحيدية” يبين فيه نشأة علم الكلام، و إختلاف الفرق الإسلامية، و يظهر العوار الفكري لدي الفلسفات المعاصرة و يفندها تفنيدا يبرز مدي سذاجتها. و ها هو الشيخ علي جمعة يكتب كتابه “الطريق إلي فهم التراث” يبين فيه سبل التعامل مع التراث و فهمه بشكل صحيح، و كيفية فهم المشكل فيه. و ها هو الحبيب عمر بن حفيظ يختصر ربع المهلكات من إحياء علوم الدين فيبسط لنا سبل التعامل مع النفس الأمارة بالسوء و تزكيتها. و ها هو الشيخ نوح القضاة رحمه الله يشرح جوهرة التوحيد (المتن الذي استخرجت منه الأبيات أعلاه) بلغة بسيطة عصرية تسهل علي أغلب خريجي المدارس العربية في عصرنا. هذا كله بالإضافة إلي تصوير مجالس العلم و رفعها علي مواقعهم الشخصية مما يسهل علي الباحث عن الحق بصدق أن يعرف سبل فهم دينه.

   ما أحوجنا إلي العودة إلي هذا التراث، الذي هو سبيلنا لفهم هذا الدين القويم و العودة إليه، مستعينين بعلمائنا ورثة الأنبياء الذين أخذوا العلم بالسند المتصل رواية، و دراية، و تزكية. من هم علي القدم النبوي و الهدي المحمدي، العاملين بمقتضي علمهم، الداعين إلي الله علي بصيرة. مصر بلد الأزهر الشريف، و ما زال في الأزهر رجال علي قدم أسلافهم لكننا في غفلة عنهم و إن كان للإعلام دور في طمس أعمالهم. و ما كان لقاصر في العلم، ملوَّث القلب و الجوارح بالمعاصي مثلي أن يطرح مثل هذه القضايا علي الناس، لكن الزمان صعب، كثر فيه التعرض للضلال و قلت فيه الإجابة، و لي إحتكاك بالمشايخ فسمعت منهم ما يشفي صدور بعض المتسائلين، فتوكلت علي الله و كتبت تلك الكلمات، أسأل الله الإخلاص و السداد و القبول.


.العبارة الأخيرة منقولة بترجمة و تصرف بسيط من النسخة الإنكليزية، طبعة هاربر وان سنة ٢٠٠٧، ص. ١٣ *
.نقلت و ترجمت الكلام بتصرف بسيط من ص. ١٠٤ و الصفحات التي تليها من النسخة المشار إليها أعلاه **
.الحجج العلمية و الفلسفية منقولة عن الكتاب و ليست من إستنتاجي ***
.انظر ص. ١٢٤ من النسخة المشار إليها من الكتاب ****

Book Review: The Crisis of the Modern World by Rene Guenon

Eighty six years after its initial publishing, this book is as relevant as ever. This masterpiece by French Metaphysician Rene Guenon (also known as Shaykh Abdal Wahid Yahya) was written in 1927, a decade after the Great War and a couple of years before the Great Depression. While, at that time, many people ‘felt’ that something is going wrong, Guenon ‘understood’ exactly the reason why things are going wrong. He makes the clear distinction between feeling and understanding in the very first chapter of the book then he later says that his target readers are those who already have this feeling. He does not care about delivering his views to the public, but to the intellectual elect that is not immersed in materialism and that actually has the will and intelligence to take action.

Throughout the book, Guenon compares between what is traditional and what is modern. He claims that modernity, initiating in the West, isolated it from the traditional spirit that has always existed there and that had its final traces manifested in Catholicism. By tradition, Guenon means transcendent knowledge that could only be attained by intellectual intuition, an intelligence totally ignored by the moderns, or through direct contact with thoso who attain it. In contrast to traditional knowledge, there is modern knowledge that is rooted in modern philosophy. He believes that philosophy as we know it does not reflect the etymological meaning of the word. Philosophy comes from the root ‘philo-sophia’ or the love of wisdom. It is only means by which wisdom could be reached, not wisdom in itself as what is understood in the modern world.

Such confusion opened the door for ideas such as rationalism to flourish and become generally accepted in the West as opposed to intellectual intutition. This decadence added to the confusion within their minds that led to the negation of the supernatural, anything that cannot be conceived by the senses, hence humanism, individualism and the intellectual anarchy resulting from the negation of higher order of knowledge giving the rise to all the ‘isms’ we hear in social sciences. That was a time when “a philosopher’s renown is raised more by inventing a new error than by repeating a truth which has already been expressed by others.”

The decline in ‘religiousity’ apparent in the modern West is the result of none other than these ideas. The negation of higher order, of authority, allowed everyone even the ignorant to express their views about sacred texts. Religion was open to criticism by the incompenet and to private judgement driven by personal desires. An inevitable result was having religion controlled by the desires of individuals rather than the opposite. The tempting negation of authority (among other reasons) prevented the Church from taking required action.

Guenon defines materialism as giving priority to ideas of material order and that have a direct sensible effect. Its origin according to him lies in denying intellectual intution as means of reaching the truth. He even questions the West’s desire to find truth, claiming that it got totally replaced by utility. This, Guenon concludes, is what defines modernity. A Western system that will lead to its own destruction, be it through certain applications of what he calls ‘profane’ modern science, or through the spread of the false ‘isms’ throughout the world leading to more confusion than ever apparent in human history. This could be noticed in the confusion now felt in the East, where traditonal principles are still believed to exist but globalization (Westernization to be more accurate), by spreading anti-traditional knowledge and its applications, is leading the youth to act in the opposite direction of what they were raised up to believe. We can all feel this confusion and feel helpless about it. However, Guenon concludes his book by offering sound solutions. He notes that he doesn’t have the time to engage in philosophical discussions and he only does so when needed. His target readers, as mentioned above, are those who already ‘feel’ that something wrong is going on, and he urges them to take action instead of philosophizing. Otherwise, it will be too late.

I personally enjoyed this work and am looking forward to read more of Guenon’s work, and to test its truth against events and phenomena taking place around the world.

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٣٧٤٢.jpg

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٤٣٤٦.jpg

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٤٣٥٨.jpg

عن ظاهرة الإلحاد الجديد و فرصة المسلمين الذهبية

أزعم أنا و من حولي أن ما جري في الخامس و العشرين من يناير عام أحد عشر و ألفين ميلاديا كان له تأثير عظيم علي حياتي. ففي يوم لن أنساه أبدا، كنت جالسا بغرفتي أتصفح الفيسبوك إنتظارا للصباح كي أتوجه إلي ميدان التحرير، إذ أُذِّن لصلاة الفجر فقلت في نفسي “إن كنت حقا أرجو التغيير، فعلي أن أبدأ بنفسي”. توضأت و خرجت لصلاة الفجر، و منذ ذلك اليوم لم أتوقف عن القراءة في الدين و في العلوم الإجتماعية (خاصة الإقتصاد) حتي يومنا هذا. تبحري في القراءة و مناقشة كل من هب و دب كانا مفتاحان لأفكار لم أكن أعلم بوجودها في العالم عامة و في بلدنا خاصة. ضمن هذه الأفكار فكرة وجود الإلحاد بين شباب المسلمين!

كنت أقوم بتوصيل أحد الزملاء من الجامعة إلي منزله حين سمعت منه ما لم أكن أعتقد أني من الممكن أن أسمعه من قبل .. “لا المهم أنك تخش الحمام برجلك اليمين” و سرعان ما وصل بنا الحديث إلي اعترافه لي بأنه ليس مسلما لأنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، و هو أيضا ليس بالملحد لأنه لم يبحث عن الرب من قبل!

بعدها بفترة قصيرة سألني أحد الأصدقاء إن كنت أستطيع أن أثبت له أن الرب موجود فصعقت و لم أجد إجابة. انتهي نقاشنا يومها أنه علي بالبحث عن إجابة لهذا السؤال و رشح لي أحد كتب الدكتور مصطفي محمود و شهد لي بأن هذا الكتاب هو الذي انتقل به من الشك إلي الإيمان. ثم توالت علينا الأحداث السياسية و ظهرت تيارات لا تعرف عن الإسلام سوي اسمه تدعي تمثيله، قد نجحت الأفكار العلمانية المطروحة علي الساحة السياسية في إثبات إفتقارها (التيارات الإسلامية) لبديل حقيقي نابع من التراث الإسلامي و عقيدته و شريعته يفوق ما يقدم علي موائد العالم السياسية. و لم يقتصر الأمر علي السياسة بل ظهرت من نفس الأناس فتاوي تظهر إفتقادهم للعلم و العقلانية و الإنسانية و أخلاقيات الإيمان مما أدي إلي زعزعة ما تبقي في صدر الشباب من الثقة برجال الدين، و الدين نفسه (من بينهم الصديق الذي نصحني بقراءة كنابات د. مصطفي محمود) و قدرته علي الإخراج {مِنَ الظُّلُمَات إِلَى النُّور}.

و من هنا كانت إنطلاقة موجة الإتجاه إلي نظريات و فلسفات التنوير، و التي خرجت أيضا ضد الإستبداد الديني في أوروبا فأنكرت وجود الله و نحّت الغيب عن رؤيتها للعالم، و خرجت منها حضارة تسود عصرنا هذا. و أصبحت النظريات “العلمية” الحديثة تربط كل ما تتوصل إليه إلي المادة الملموسة و المرئية و المسموعة دون إعتبار لما وراء المادة (أو ما وراء الطبيعة أي الميتافيزيقيا) و رموا بالعلوم القديمة، أي علوم ما قبل النهضة، التي اعتمدت علي التفكر المجرد وراء ظهورهم و أصبح العلم هو ما يمكن إثباته رقميا و ليس إلا فحلت الفيزياء (الطبيعة) محل ما وراء الطبيعة و أصبحت هي مقياس العلوم و من بعدها الأحياء فلخصوا مثلا الإنسان إلي مجرد خلايا تكون كائنا معين ثم لخصت تلك الخلايا إلي مجرد ذرات لها تركيب معين. و من هنا أصبح الإنسان مادة حسية قابلة للخضوع للتجارب مع فقدان كل ما هو معنوي. فروح الإنسان مثلا ليست لها تعريف علمي، و كذلك أحلامه و أخلاقه و سعادته فأصبحت تلك المعاني نسبية تختلف من إنسان لإنسان لا حقيقة لها. من هنا استباحوا الجسد الإنساني فطبقوا عليه نظرياتهم و تجاربهم العلمية آخرها نقل الأعضاء، ظنا منهم أنه يؤدي إلي إنقاذ الأرواح غافلين عن تأثير هذه العملية علي الجودة المستقبلية لحياة صاحب العضو المنقول.

الكارثة هنا لا تكمن في ما توصل إليه الغرب و قبلوه “دينا” جديدا لهم بل في تصدير تلك العلوم لنا و لمدارسنا علي أنها العلوم الصحيحة المؤكدة، و تدرسيها في مدارسنا لتخرج جيلا ينحي الغيب (بدون قصد) و لا يصدق إلا ما كان مرئيا أو ملموسا أو محسوسا. و يري العديد من الشعائر الدينية لا تطابق النظرية العلمية فلا يهتم بها مع حفاظه علي إعتقاده بوجود إله و نبي عظيم اسمه محمد. بل كتب بعض “مثقفينا” عن النبي العدنان صلي الله عليه و سلم و أرجعوا إنجازاته إلي عبقرية عقلية بدلا من وحي و توفيق و بركة من الله سبحانه و تعالي. و قد ذكر شيخنا الشهيد العلامة محمد سعيد رمضان البوطي في مقدمة كتابه فقه السيرة أن أحدهم استشهد علي ذلك ببيت الإمام البوصيري رحمه الله: “لم يمتحنا بما تعيا العقول به *** حرصا علينا فلم نرتب و لم نهم” و نسي هذا “المثقف” أن الإمام البوصيري في القصيدة عينها أنشد “جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ** تمشي إليه علي ساق بلا قدم”. و مع ضعف مستوي التعليم الديني تزامنا مع التقدم المادي الغربي زادت الدعاوي لتقليص الدين لمجرد الصلاة و الصوم و إبعاده عن الحياة العملية و الفكرية بحجة أن رسول الله صلي الله عليه و سلم احترم التخصص و العلم. و اعتبروا (أو شبهوا لأنفسهم) العلم المطروح علي الساحة العالمية بأنه هو العلم الذي هو “فريضة علي كل مسلم”

حتي لا أطيل. أول ما يصف به الله المتقين في كتابه هو {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. و قد حاولت بإيجاز أن أبين مدي وصول العالم بأسره إلي تنحية الغيب و هو أمر لا يختلف عاقلان علي مخالفته لديننا. و سيطرة منحو الغيب علي عقولنا تحدٍ عظيم. و بقدر عظمة التحدي ينبغي أن يكون الرد، و كذلك يعلمنا تاريخنا. فالمسلمون واجهوا ما هو أشد من ذلك في القرون الأولي حين ظهر عليهم من يزعمون أنهم من أبناء دينهم و يأتون فيه بما لم يأتي به الله و رسوله. و أقصد في حديثي المعتزلة و الجهمية. انخرطوا في الفلسفات الهيلينية و فتنوا بها فأصبحت هي مصدرهم للحقيقة بدلا من الكتاب و السنة. بل افتروا علي كتاب الله و زعموا أنه مخلوق و أنه ليس كلام الله عز و جل! و نسبوا لله سبحانه و تعالي ما لا يليق به من نقص و قالوا أن التحسين و القبيح هي أمور نسبية لا دخل للدين بها! و جاء من بعدهم بقرون فلاسفة أمثال ابن سينا (لا أنكر علي الرجل علومه الدنيوية) الذي قال بقدم العالم و لانهايته! فما أشبه تلك المحن بما نتعرض له اليوم من إفتراءات علي الله و رسوله. فخلق القرآن لا يختلف كثيرا عن تاريخية القرآن و التحسين و التقبيح البشري هما لب ما نواجهه الآن من ضعف في القيم السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية مما يخالف ديننا الحنيف.

و ما أشبه حالنا اليوم بحال المسلمين الذين صعقوا آنها مما يقدم لهم علي أنه الدين بدلا عما ورثوا عن آبائهم و أجدادهم وصولا إلي حضرة النبي المعظم! و لكن ها هو الإمام أبو الحسن الأشعري يتقن أفكار المعتزلة (كان الإمام الأشعري معتزلي في بدايته) ثم يدرك الحقيقة فيتقن ما أخبر به الله و رسوله عن العقيدة فيردع أفكارهم و يحطمها تحطيما دون إستخدام للقوة مستعينا بالحق سبحانه و تعالي مستخدما لسلاحهم (المنطق). و ها هو الإمام الأكبر حجة الإسلام أبي حامد الغزالي يتقن أفكار الفلاسفة و يؤلف كتابا يسميه مقاصد الفلاسفة يبين فيه أقوالهم و يقوي حججهم مثبتا إطلاعه علي كل مبادئهم ثم يؤلف تهافت الفلاسفة الذي طعن فيه في أفكارهم محتجا بالشرع و المنطق!

أذكر أول محاضرة لي في كلية الإقتصاد كانت في مادة التاريخ الإقتصادي للشرق الأوسط. بدأنا بمقالة للدكتور إريك تشيني أستاذ الإقتصاد في جامعة هارفارد عن دور علم الكلام (أو التوحيد/العقيدة/الأصول) في نهضة المسلمين، يبدأها بأن المسلمون سبقوا أوروبا فكريا بحوالي خمسة قرون و أن السبب الرئيسي لتلك النهضة الغير مسبوقة في تاريخ المسلمين كان إتقانهم للعلوم. و عندما رجع لعلوم المسلمين وجد أنها تفرعت من رغبتهم في خدمة العقيدة الإسلامية و أصول الدين فتوغلوا في سائر العلوم و أفرزوا نظريات تؤيد إيمانهم لأن الإستشهاد بالله و رسوله لم يكن كافيا لإقناع غير المسلمين بالدين و خاصة العجم منهم. و العجيب أن الإمام العلامة مفتي الديار الأسبق الدكتور علي جمعة يذكر في كتابه الطريق إلي التراث الإسلامي أن رغبة المسلمين في الإعتناء بكلام ربهم جعلتهم يبتدعون معادلات رياضية تنسق أشكال الحروف العربية علي نحو يليق بعظمة الكلام فاستفادوا بهذه العلوم في تطوير ما يعرف اليوم بالفن و المعمار الإسلامي. و عندما انتقل الدكتور تشيني إلي مناقشة تدني مستوي العلم في المنطقة كان السبب هو أيضا الغفلة عن التبحر في العلوم! فكم نحن بحاجة إلي من يحيي ذلك اليوم.

من يتأمل في أصول العلوم الحديثة سوف يجد أن أصولها ترجع إلي فلسفات عصر التنوير التي نحت الغيب كما أوضحت في أول المقال. و لم يكون تأثير هذه الفلسفات علي العلوم الطبيعية فقط و لكنه وصل أيضا للعلوم الإجتماعية. فدارس علم الإقتصاد يعرف جيدا أن آدم سميث كان فيلسوفا و أن أفكاره بنيت علي تصوره للدنيا الفانية و الإنسان الأناني الجشع. و دارس علم النفس يجد أن فرويد قدم تحليلا فريدا للنفس و لكنه اكفي بتحليل النفس الأمارة بالسوء و لم يتطرق إلي بقية مراتب الأنفس كما لاحظ الشيخ العلامة الدكتور علي جمعة. و المبادئ الكلية التي تنشأ الحضارة عليها تسمي بالنموذج المعرفي، و نموذجنا (المسلمون) المعرفي هو عقيدتنا. إيماننا بالله و ملائكته و كتبه و رسله و القدر خيره و شره و اليوم الآخر. بالتعرف علي كل ركن من أركان تلك العقيدة تتسع مداركنا و تتغير نظرتنا للحياة و نتمكن أن نولد علوم إسلامية حقيقية بدلا من قص و لصق العلوم الحديثة و نسبتها إلينا (زورا)

لن ندرك نهضة حقيقية إلا إن تمسكنا بمادئنا و عدنا إلي إعتقادنا المتين جدا مع أتقان العلوم الحديثة و إخراجها من أسر فلسفات التنوير مستفيدين من القرون الأربعة عشر الماضية خيرها و شرها و إلا استحققنا ما نحن فيه الآن من تخلف عن الركب الحضاري. و أخطأنا إن ظننا أننا من الممكن أن نلقي ديننا وراء ظهورنا و نستورد نموذج الغرب لأننا “قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا”

و عفوا علي الإطالة

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري - العلامة المتكلم سعير فودة - الشيخ المتكلم جمال فاروق.جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري – العلامة المتكلم سعير فودة – الشيخ المتكلم جمال فاروق.
جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

.