مدونة السعة

Category: Uncategorized

كيف نفهم ما نراه في الكون على أنه شر؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

ألقيت ذات يوم محاضرة تحت عنوان: “هل الفلسفة حرام؟ مقتطفات من تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي.” في فقرة الأسئلة، سرعان ما انتقل النقاش من أسئلة في صلب الموضوع إلى السؤال عن ما يسمى بمعضلة الشر. السؤال الأول الذي تلقيته كان عن رأي علم الكلام في هذا الموضوع، والثاني كان عن رأيي الشخصي فيه.

كانت الإجابة عن السؤال الأول هي الأسهل. ذكرت فيها رأي الفلاسفة الإسلاميين وهو أن الشر أمر عدمي وليس وجوديا فلا يكون الإله مسؤولا عنه، ثم رأي المتكلمين وهو إلزام السائل بوجود الله والقول بأن الخالق من العدم لا يُسأل عما يفعل، وقول الصوفية بأن الإله له حكمة من ذلك وإن كانت خفية.

ثم جاء ردي على السؤال الثاني بأن رأيي مماثل لرأي المتكلمين، فأنا أؤمن بالإله الذي لا يجوِّز العقل عدم وجوده، وأن هذا هو الخيار العقلاني. ثم أضفت أنه لا يلزم من عدم رضانا عن الواقع أن هذا الواقع غير موجود، فالإنسان الذي يصاب بمرض لا يفيده إنكار وجود المرض. المرض موجود وهذا شيء مؤلم، وإنكار الواقع لا يغير من حقيقته. كذلك عدم رضا شخص ما بفعل من الأفعال الإلهية لا يجعل الإله غير موجود.

الحقيقة أن هذا الجواب لا يشفي الغليل، فهو كأنه يقول للمستمع: هذه هي الحقيقة شئت أم أبيت وعليك أن تقبل بها وتسكت الصوت الذي بداخلك لأنه مخالف للعقل! ويترك الجوابُ المستمعَ في تحيُّره ورغبته في أن يعرف السر وراء هذا الاختيار الإلهي الذي يبدو مؤلما أو -استغفر الله- عبثيا. وهذا المعنى قد أشار إليه الإمام صدر الدين القونوي في رسالة أرسلها للفيلسوف نصير الدين الطوسي ليوضح له أن طريقة الصوفية هي التي تؤدي إلى فهم حقائق وأسرار الكون وليس الاستدلال العقلي.

ولعل المشكلة التي تكمن في الاكتفاء بالاستدلال العقلي هي كون هذا الاكتفاء يجعل الخطاب اختزاليا. فهو يتعامل كأن العقل هو الآلة المدركة الوحيدة في الإنسان، والحقيقة بخلاف ذلك. فالإنسان له كذلك النفس، والقلب، والروح، والسر.

فالنفس تدرك الشهوة والغضب، والغرض منها أن تستقيم حياة الإنسان بأن تدفعه إلى جذب المنافع ودفع الأضرار. والعقل ينسب المسبَّبات إلى أسبابها، وبه يستطيع الإنسان أن يفهم الكون من حوله ويتعامل معه. والقلب هو الجسر بين عالم الشهادة الذي نعيش فيه وعالم الغيب الذي هو أوسع من هذا العالم. فمتى أدرك الإنسان بعقله أن له خالق وأن مقتضى رسالة الرسول أن يتوجه بقلبه تجاه هذا الخالق، كان القلب هو آلة التوجه وتكون ثمرة هذا التوجه أن يقترب الإنسان من عالم الغيب وتبدأ روحه في إدراك هذا العالم وأسراره إلى أن تتحقق له معرفة الله التي هي الغاية من وجوده والتي هي اللذة التي ما بعدها لذة.

حينئذ يفهم الإنسان الحكمة من أفعال الله، ويصير الغيب عنده شهادة، ويدرك يقينا أن لكل فعل من أفعال الحكمة وأنه كما قال الإمام الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان!

كذلك يرى الأشياء على حقيقتها، فيعرف أن كل موجود هو تجل لاسم من أسماء الله. فالله سبحانه وتعالى خلق هذا العالم ليدل عليه {سنريهم آياتنا في الآفاق} فيكون كل موجود ما هو إلا لافتة تشير إلى أصلها. فهذا المخلوق يدل على اسم الله الباسط وذلك على اسمه البديع وذاك على اسمه القهار. فيكون ما يعبر عنه الإنسان بالشر هو تجل لاسم الله المانع أو القهار أو الجبار أو غيرها من الأسماء. ولعل هذا ما يشير إليه قول أحد العلماء: من كان أعرف بأقسام المخلوقات وحقائقها كان أعلم بأسمائه تعالى.

ولسائل أن يسأل: لماذا لا يخفي الله هذه الأسماء ولا يظهرها فلا تكون هذه المعاناة المشاهَدة؟

الجواب لهذا السؤال أن الله أراد للإنسان المعرفة الكاملة. قال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} وكان سياق هذا القول بيان الله تعالى لسر تفضيل سيدنا آدم على الملائكة واستخلافه في الأرض، إذ أنه أعلم من الملائكة بالله وبأسمائه. فالملك وإن كان لا يعصي الله أبدا، فإنه لنفس هذا السبب لا تكون معرفته بالله كاملة إذ أنه لا يعرف اسم الله التواب لأنه لا يعصي فلا يلجأ لله بصفته توابا. ومن هذا يُفهم أن العبد كلما تعرف على الله بأسماء أكثر زادت معرفته بالله التي فيها كماله وكمال سعادته في الآخرة التي هي حياة أبدية. ويكون كل ما يواجهه المرء من الصعوبات على وجه الحقيقة خيرًا للإنسان وسببًا لسعادته إن فهم أن هذه الصعوبات هي أحبال للتعارف يمدها الله للعبد، وسارع إلى التمسك بهذه الأحبال وتسلُّقِها.

هذه المعاني إن فهمت تحولت إلى مصدر سعادة للإنسان، وكانت سببا لزيادة تشوقه للمعرفة التي تفوق لذتها كل اللذات الحسية. ذلك لأن اللذة الحسية ما هي إلا إزالة لألم، وسرعان ما تنقضي هذه اللذة بعد أن يأخذ الإنسان كفايته منها. أما المعرفة فلا تزيد صاحبها إلا تشَوُّفًا للمزيد منها ويظل الإنسان باحثا عنها مهما استمرت حياته.

اللهم أذقنا لذة معرفتك واسلك بنا سبيل أحبابك من غير فتنة.

من خلق الله؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

الحمد لله،

من الأسئلة التي تطرأ في أذهان الكثير من الناس سؤال: إذا كان الله هو الذي أوجدنا من عدم، فمن الذي أوجد الله؟ وإذا كان الله أوجد نفسه فلماذا لا أكون أنا قد أوجدت نفسي؟

هذا السؤال الذي يطرأ على أذهان الكثير هو سؤال طرحه كذلك من يسمَّوا بالملحدين الجدد. فهم يقدمونه على انه سؤال جديد صعب يصعب على المتدينين الإجابة عنه. وفي هذا السؤال يأتي الملحدون من البلاد المسلمة بإضافة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طرح هذا السؤال باعتباره وسوسة من الشيطان. فهل هذا السؤال معجز حقا إلى درجة تجعل رسول الله ينهى عن طرحه؟

الإجابة أن السؤال ليس كذلك، وأن النهي عن مثل هذا السؤال هو في منتهى العقل. لماذا؟ لأنه سؤال غير عقلاني. ولتبيين ذلك علينا أن نستحضر معاني فلسفية وهي معاني: الوجوب، والإمكان، والاستحالة. هذه المقدمات الفلسفة لما ضاعت –للأسف- أصبحت الإجابات على الأسئلة الوجودية مرتبكة وغير كافية للإقناع العقلاني، لأنها تناقش فروها بدون مناقشة أصولها، وبالتالي تكون الإجابات عليها سطحية.

الذي يطرح هذا السؤال حجته كالآتي: أنتم يا متدينون تقولون أن كل موجود له سبب، وبالتالي العالم له سبب وهو الله. لكنكم تغفلون أن الله الذي تزعمون وجوده كذلك موجود ينبغي أن يكون له سبب مما يفرض علينا طرح سؤال: من خلق الله.

والحقيقة أننا لا نقول أبدا أن كل موجود له سبب، وبالتالي يكون قولنا أن كل موجود له سبب هو مجرد افتراض ممن يعترض على قولنا. ما نقول هو أن كل موجود ممكن له سبب. إذن، هناك نوع واحد من الموجودات ينبغي أن يكون له سبب، وهو الموجود الذي وصفناه بالممكن.

فما هو معنى الممكن؟ قسَّم أهل النظر العقلي الأشياء إلى واجب وممكن ومستحيل، هذا من حيث النظر العقلي. فالعقل يحكم على الشيء إما بالوجوب، أو الإمكان، أو بالاستحالة. ومعنى أن يكون الحكم عقليا أنه لا يعتمد على العقل، فلا يعتمد على التجربة مثلا كالعلوم التجريبية أو على وضع واضع مثل القانون. وهذه تفرقة بين أنواع الأحكام، وبين أنواع الحكم العقلي غابت عنا للأسف مع أن الأنظمة التعليمية التي تهتم بالفلسفة وتعطيها قيمتها الحقيقية كانت تدرسها في المراحل الابتدائية. فمثلا نجد في قصيدة الخريدة البهية التي كان يدرسها الأطفال في الأزهر:

أقسام الحكم العقلي لا محالة * هي الوجوب ثم الاستحالة

ثم الجواز ثالث الأقسام * فافهم مُنِحتَ لذة الأفهام.

والواجب العقلي هو: ما لا يجوز في العقل عدمه، مثل كون الواحد نصف الإثنين. والمستحيل العقلي هو ما لا يجوز في العقل وجوده، مثل اجتماع النقيضين كأن يكون الشيء موجودا ومعدوما في نفس الوقت. والممكن هو ما يجوز في العقل وجوده أو عدمه.

وإذا عرفنا معنى الممكن، وعرفنا أنه يجوز أن يكون موجودا ويجوز أن يكون معدوما، عرفنا أنه لا بد من سبب يدعم كفَّة الوجود على العدم، يسمونه المرجِّح. فإذا نظر الإنسان إلى الكون وتأمل في نوع الوجود الذي يوصف هذا الكون به. هل هذا الكون مستحيل؟ بالطبع لا، لأنه لو كان مستحيلا لَمَا صحَّ وجوده أصلا، ونحن نعلم أن الكون موجود. هل هذا الكون واجب؟ بالطبع له، لأنه الكون المادي مكوَّن من مادة، والمادة يجوز عليها العدم فلا تكون واجبة. فلا يبقى لنا اختيار إلا أن يكون هذا الكون ممكن.

فإذا عرفنا أن الكون ممكن، ذهبنا إلى السؤال التالي له. هذا الكون يجوز عليه الوجود والعدم، فهل يجب أن يكون هناك مرجِّحا يرجِّح وجوده على عدمه؟ الإجابة نعم، لأن الترجيح لا يكون إلا بمرجِّح (الترجيح بلا مرجح مستحيل عقلا، وكونه مستحيلا عقلا لا يمكن تبيينه هنا فسيتم التبين في مقالة أخرى إن شاء الله عن المستحيلات العقلية).

وهنا يأتي سؤال: هذا المرجِّح الذي صنع الكون، من الذي صنعه أو رجَّح وجوده على عدمه؟ فتكون الإجابة أن هذا الصانع إما أن يكون وجوده ممكنا، او يكون وجوده واجبا. فإن كان وجوده ممكنا وجب علينا أن نسأل عن المرجح الذي رجح وجوده على عدمه. لكنه لو كان واجبا، لا يجب علينا طرح هذا السؤال. والدعوى التي يدعيها المتدينون أن هذا الصانع للعالم وجوده واجب لا يحتاج إلى صانع آخر أو مرجِّح يرجِّح وجوده على عدمه. لماذا؟

لأن هذه السلسلة من الأسباب ينبغي أن تتوقف عند حد. ينبغي أن تكون هذه السلسلة متناهية. فهذه السلسة إما أن تكون متناهية أو غير متناهية. فإن كانت غير متناهيا، كان من الواجب أن يكون قبل صنع هذا العالم، عدد غير متناهي من الصانعين الذين يصنع بعضهم بعضا. فلو سمينا صانع هذا العالم صانع 1، ثم سمينا صانعه صانع 2 إلى أن نصل إلى صانع 99999 ثم نصل إلى الصانع رقم ما لا نهاية. فيكون هذا الكون نتيجة حصول عدد لا نهاية له من عمليات الصناعة، وهذا الأمر متناقد. لأن معناه أنه تم الانتهاء من عدد ما لا نهاية له فيصبح: ما لا نهاية له قد انتهى بالفعل. كيف ينتهي ما لا نهاية له؟ ويكون هذا تناقض مستحيل عقلا.

بهذه الحجة، يثبت أنه لا بد من صانع أول تنتهي إليه كل الموجودات، يمنع من أن تكون الأسباب والموجودات غير متناهية. وهذا الصانع الأول يكون وجوده واجب إذ أنه لا يجوز في العقل أن يكون هذا الصانع الأول غير موجود. فينطبق عليه تعريف الواجب.

فإذا عرفنا أن صانع الكون واجب وليس ممكنا، تأكدنا من أن السؤال عن صانع هذا الصانع الواجب سؤال غير عقلاني، وعرفنا لماذا نهى عنه رسول الله على الله عليه وسلَّم واعتبره وسوسة. لأنه سؤال لا يقبله العقل فيكون مصدره غير مصدر العقل. وتصويره على أنه سؤال عقلاني هو من باب العقل الإبليسي الذي سبق وانتقدناه في هذه المدونة. وأختم هذه التدوينة باقتباس للإمام ابن الجوزي في شرحه للحديث الذي نهينا فيه عن هذا السؤال:

وفي الحديث الخمسين بعد المائة: ((لن يبرح النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالق كل شَيْء، فَمن خلق الله))

اعلم أن الباحث عن هذا إِنما هو الحس، لأَن الحس لم يعرف وجود شيء إِلا بشيء، ومن شيء، فأما العقل الذي هو الحاكم الْمَقطوع بحكمه، فقد علم أنه لابد من خالق غير مخلوق، إِذ لو كان مخلوقا لاحتاج إِلى خالق، ثم بتسلسل إِلى ما لا نهاية له، والمتسلسل باطل، وإِنما أثبت العقل صانعا، لأنه رأى المحدثات مفتقرة إِلى محدث، فلو افتقر المُحْدِثِ إِلى مُحْدِثٍ كان محدثا.

هل يطالب الدين أتباعه بالإيمان الأعمى؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

الحمد لله،

“والمسلم المتعلم إنما يكون مسلماً متعلماً بالاستقلال في العقيدة الدينية. ولا يجوز للمسلم تقليد غيره من المسلمين في العقيدة فما ظنك بتقليد غير المسلمين؟”
شيخ الإسلام مصطفى صبري

الحمد لله،

كنت في زيارة بعض الأصدقاء لما سألتني خطيبة أحدهم عن طبيعة عمل المؤسسة التي أعمل بها. فلما شرحت لها بعض نشاطات المؤسسة والتي من ضمنها مبادرة سؤال، قالت لي: “كيف تستدلون على صحة المعتقدات الدينية؟ أليست هذه الأمور تؤخذ بالإيمان وتحتاج لشيء من الثقة مع غياب الدليل؟” وفي موقف آخر كنت أشرح لأستاذ لي في كلية الاقتصاد الأسباب التي جعلتني أترك مجال الاقتصاد وأتجه لتعلم العلوم الشرعية، ومن ضمن الأسباب أن الشباب تائه في معترك الأفكار الرائجة في عصرنا مما يجعل تمسكه العقلي والروحي بالدين أصعب. فقال لي الأستاذ: “الدين يكون بالإيمان وليس بالدليل.” والحقيقة أن هذه الفكرة وإن دلت على قوة إيمان أصحابها، فهي ليست من المفاهيم الإسلامية بالمرة، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام مصطفى صبري في الاقتباس الموجود أعلى المقالة وهو من كتابه: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين).

هذه الفكرة التي تدعو إلى كون الإيمان قرار غير مبني على دليل تسمى بالقفزة الإيمانية (leap of faith)، وهذا المصطلح مدين في نشأته في هذا السياق للفيلسوف الدنماركي المسيحي البروتستانتي الوجودي سورن كيركغارد. ولكل وصف من الأوصاف السالفة صلة بمعنى القفزة الإيمانية.

فكونه دنماركيا يشير أنه كان يعيش في عالم وسياق فكري مختلف عن العالم والسياق الفكري للمسلمين، وكونه مسيحيا يشير إلى أن معتقداته التي يقفز إليها ليست هي معتقدات المسلمين، وكونه بروتستانتيا يشير إلى أنه من طائفة مسيحية لم تمتلك الأدوات الفلسفية والمنطقية التي تعينها على الخوض في المباحث الميتافيزيقية بخلاف الكاثوليك فإنهم لديهم تراث فلسفي أرسطي شديد القوة، وكونه وجوديا يشير إلى كون كتاباته فيها ردة فعل المجتمع المادي الصناعي الأوروبي. والقاريء لفلسفة كيركغارد أو تبعاتها لا ينبغي أن يخلي ذهنه عن هذه الاعتبارات.

ولنا أن نضيف أن كيركغارد عاش في الحقبة الزمانية التالية لهيغل مباشرة، وكان ناقدا لهيغل لأسباب من ضمنها التعقيد الذي عقده هيغل للفلسفة المسيحية. فهو قدمها بطريقة فلسفية غير سلسة، لا يسهل على المسيحي العادي أن يقرأها ويستلهم منها أسلوبا للمعيشة يتوافق مع مسيحيته. أما كيركغارد فقد كتب بلغة سهلة، وفي مواضيع مرتبطة بما يمر به الإنسان المتوسط في الحياة، مما يجعل فلسفته معينة للإنسان المسيحي على حياته وعلى تطبيق المسيحية في حياته اليومية.

ومن الجدير بالذكر أن هيغل كان يرى إمكان اجتماع النقيضين، وقد تأثر في ذلك بكانط تأثرا قد لا يكون مباشراً. فالذي دفع بكانط إلى تأسيس مذهبه الفلسفي هو ما وجده في عصره من إمكانية الاستدلال العقلي على الشيء ونقيضه في أربع مسائل مهمة في الميتافيزيقا، مما أدى به إلى القول بأن العقل غير قابل للحسم في مثل هذه القضايا. ومن المعلوم أن الميتافيزيقا التي ينتقدها كانط هي الميتافيزيقا التي سادت أوروبا في القرن والنصف السابقين لكانط والتي بدأت مع ديكارت ولا علاقة لها بالنظام الميتافيزيقي الأرسطي.

بهذا يتضح أن كيكغارد مرتبط في فلسفته بالسياق التاريخي والفكري الذي بدأه ديكارت إلى أن وصل إلى كيكرغارد عن طريق فلاسفة الغالبية العظمى منهم مسيحيون، وبالتالي هو مرتبط بسياق خاص لا ينبغي اسقاطه على ديانة غير ديانتهم (الإسلام) وعلى نظام فلسفي غير نظامهم (الأرسطي).

فكيركغارد نشأ في فترة كانت أوروبا قد فقدت الأمل في إمكانية الاستدلال على صحة معتقداتها بالعقل، ورأت أن العقل إما أن يصطدم مع نفسه وإما أن يصطدم مع معتقدات دينية مثل حلول الإله في جسد عيسى مع احتفاظ الإله بماهيته، ومثل المعجزات. وقد استأنس كيركغارد في كلامه عن القفزة الإيمانية بقصة سيدنا إبراهيم لما أمره الله سبحانه وتعالى بذبح ابنه اسحق (الرواية الانجيلية للقصة تقول أن الابن هو سيدنا اسحق عليه السلام بينما تقول الرواية القرآنية أن الابن المأمور بذبحه هو سيدنا إسماعيل عليه السلام). فيقول كيركغارد أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم بما يخالف عقله وطبيعته مما يستدعي قفزة إيمانية من قبل سيدنا إبراهيم تعينه على تقبل أن الله –مع ما أمر به من مشقة– م يأمره إلا بما فيه الخير له. والمعنى الذي يشير إليه كيركغارد هو معنى رائق في التدين والصلة بالله والتسليم لمراد الله لكنه لا يتعلق بأصل الإيمان ولكنه ثمرة من ثمراته.

هذا فيما يتعلق بنشأة فكرة القفزة الإيمانية وتلقي المعتقدات بدون دليل، وكونها فكرة ناشئة بعيدا عن الفكر الإسلامي. أما ما يتعلق بموقف الفكر الإسلامي من هذه القفزة فهو معروف عند طالب العلم المبتديء الذي درس متن جوهرة التوحيد للإمام إبراهيم اللقاني، وهو متن يدرسه المبتدئون في العقيدة. يقول الإمام اللقاني:

إذ كل من قلَّد في التوحيد * إيمانه لم يخلُ من ترديد

والتقليد هو أخذ القول بغير دليل. فالإمام اللقاني يقول أن كل من بنى إيمانه على غير دليل بنى إيمانه على أصل ضعيف يجعله مترددا في إيمانه. وطرح العلماء الأسئلة حول إيمان هذا المقلد، فقالت المعتزلة أن إيمانه غير صحيح، وهذا الرأي لم يقبله أهل السنة، إذ قالوا أن إيمانه صحيح لكن اختلفوا هل هو عاصي أم لا. فقال بعضهم أن كل مقلد في الاعتقادات عاصي، وقال غيرهم وهو الرأي الراجح عند أهل السنة أنه يكون عاصيا إن كانت عنده أهلية النظر، ولا يكون عاصيا إن لم تكن عنده هذه الأهلية. وبذلك نتوصل إلى أن الإنسان الذي لديه قدرة على معرفة الدليل على صحة اعتقاده يجب عليه أن يعرفه وإلا أثم، وهذا معنى قول شيخ الإسلام مصطفى صبري أن المسلم لا يجوز له تقليد غيره من المسلمين في الاعتقاد. ولم يكتف العلماء بعَدِّ معرفة العقائد بالدليل من الواجبات الدينية، بل عدوه أول الواجبات. قال الإمام اللقاني:

واجزم بأن أوَّلاً مما يجب * معرفةٌ وفيه خُلف منتصب

أي أن أول الواجبات على المكلَّف هي المعرفة، والمعرفة هي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل. وأما الخلاف الذي يذكره في البيت أعلاه هو خلاف بين العلماء حول أول واجد على المكلف، فمنهم من قال بأنه المعرفة، ومنهم من قال أنه النظر والبحث المؤدي إلى المعرفة، ومنهم من قال أنه القصد إلى النظر والبحث. وهذا الخلاف لا يغير من طبيعة المسألة ولا من كون هناك أولوية لترسيخ الإيمان بمعرفة الأدلة.

وهذه الأقوال للأئمة ليست بأقوال جديدة ناشئة عن ردة فعل للهجوم الذي يتعرض إليه الدين من كون اتباعه يؤمنون به إيماناً أعمىً مخالف للعلم والعقل، بل هي أقوال ترجع إلى القرون الأولى للإسلام. وأما مفاهيم القفزة الإيمانية والإيمان الأعمى فهي مفاهيم لا تمت للفكر الإسلامي بصلة، وقد أوضحت أنه نشأت في بيئة غريبة عن الإسلام وأهله. وبهذا يندفع الإشكال الذي يورده القائلون بان الدين يدعو الإنسان لترك عقله.

وأنا أطلب من الشباب المسلم أن يحصن إيمانه بالأدلة العقلية على صحة الإيمان في هذا الزمن الذي كثر فيه التطاول على الدين والتشويش على معاني الإيمان وقيمه ومن قبل وسائل شتى. كذلك أطلب من المستوردين للأفكار الغربية بدون فهم لحقيقة الفكر الغربي ولا لحقيقة الفكر الإسلامي أن يكفوا عن ترويج أفكارٍ هم يجهلون بها وبالفكر الذي تستند هذه الأفكار المروجة عليه. فالضرر المعنوي الذي يتسبب فيه هذا الجهل المروج له لا يقل عن أي ضرر مادي من الممكن أن يسببه أحد إلى غيره. بل الضرر المادي يؤدي بالأمم من الغنى إلى الفقر والضرر المعنوي يؤدي من العلم إلى الجهل، فأي الضررين أكبر وأخطر؟

الدين والفلسفة

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

كانت أول محاضرة حضَرتها في حياتي الجامعية أثناء دراسة البكالريوس محاضرةً في مادة بعنوان «التفكير الفلسفي». لم أكن وقتها أعرف ما معنى كلمة فلسفة، وكان الأستاذ المدرِّس للمادة أمريكيًا ولم أكن قبلها قد درست مع أي أستاذ غير مصريٍّ من قبل. وأنا بطبيعتي أخاف من الآخر أو المجهول وكنت في هذا الموقف أمام مجهولات ثلاث: الفلسفة، والأستاذ الجامعي، وكون هذا الأستاذ الجامعي أمريكيًا.

جلست في الصف الأخير والتزمت الصمت حتى رفع أحد الطلاب يده وقال: يا أستاذ، أنا أدرس هذه المادة للمرة الثانية وما زلت لا أعرف، ما هي الفلسفة؟ وكان رد الأستاذ هو التعريف بالمعنى اللغوي للكلمة المركبة من كلمتين يوانيتي الأصل: فيلو، وسوفيا. وفيلو هي كلمة بمعنى المحبة، وسوفيا هي كلمة بمعنى الحكمة.

بالجمع بين الكلمتين ندرك أن الفلسفة هي محبة الحكمة أو السعي تجاهها، وهي –أي محبة الحكمة والسعي تجاهها- أمور شريفة مطلوبة.. لكن ليست لذاتها، بل هي مطلوبة للحكمة. فهذا النوع من السعي نُسب إليه الشرف لكونه سعيًا نحو الحكمة لا لمطلق كونه سعيًا.

كانت هذه هي المادة الوحيدة التي درستها في الفلسفة أثناء البكالريوس، وكنت ممن يعتقدون أن الفلسفة أمرٌ لا حاجة إليه. ثم مرت الأيام وشاء الله تعالى أن أدرس الماجيستير في الفلسفة في نفس الجامعة، ويسأل طالب الأستاذ سؤالًا عن الفلسفة يعيد إلى الذهن التفكر في تعريف الفلسفة على أنها محبة للحكمة أو سعي نحوها. سئل الأستاذ عن الفلسفة الإسلامية فقال أنه يرى أن كلمة الفلسفة الإسلامية فيها تناقض. لأن الفلسفة تطرح الأسئلة بينما الدين يقدم إجابات عنها.

وفي سياق آخر، أثناء القراءة في كتاب «مدخل إلى الميتافيزيقا» للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر والذي يطرح فيه أسئلة جول حقيقة الوجود، نبه الأستاذ نفسه الذي كان حينها رئيس قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن أفلاطون كان يشعر بالخجل والحيرة تجاه فهمه لتعبير «الوجود». فقد قال أفلاطون أننا في الماضي كنا نظن أننا نفهمه لكننا الآن أصبحنا حائرين. فهل هذه الحيرة هي التي تجعل الفلاسفة طالبين للحكمة بدلًا من أن يكونوا حكماء؟

يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه غينو أن هذه الحيرة لا تواجه الأديان الأصيلة لأنها تدعي أنها تمتلك الحكمة. فبالنسبة إليهم، حقائق مثل الوجود هي أمور لا يدركها العقل بل هي أمور من عالمٍ علوي لا تعرف إلا بطريق الوحي. لذلك، سيظل الباحثون عن هذه الحقائق من غير طريقها حائرين تائهين. وغينو هو فيلسوف فرنسي تشبع بالتراث الفلسفي الغربي القديم والحديث ولم يجد فيه ضالته، فاتجه نحو الأديان والمعارف الشرقية ودرسها بطريقها لا بطريق الاستشراق، وكتب كتابه «المدخل إلى دراسة العقائد الهندوسية» منتقدًا فيه المحاولات الاستشراقية لفهم هذه العقائد من المنظور المعرفي الاستشراقي الضيق الذي أنكر الوسائل المعرفية الشرقية لمجرد جهله بها وظنه أنه أرقى منها. وفي المقولة الشهيرة: «المرء عدو ما يجهل». وغينو بعد أن جمع بين دراسته للفلسفة الغربية في بلادها وعلى طريقتها ثم درس العقائد الشرقية، انتهى به المطاف في الإسلام بعد أن قرأ كتابات الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وانتقل إلى مصر وأسس فيها مجلة «المعرفة» التي كانت تصدر في بداية ثلاثينيات القرن العشرين. ومن أراد أن يعرف أكثر عن غينو فليقرأ الفصل المخصص له في كتاب الشيخ عبد الحليم محمود: «قضية التصوف: المدرسة الشاذلية».

والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الذي أثَّر في غينو كان له رأي في فلاسفة اليونان وهو أن علومهم مكتسبة في الأصل من سيدنا إدريس عليه السلام ولكنهم أخطأوا في نقل ما جاء عنه ونظروا في الغيبيات بعقولهم المجردة وأن خطأ النظر العقلي في هذه الأمور أكثر من صوابه. (وهذا لا يعني أن العقل لا يعتد به في المسائل الدينية، بل هو ضروري للتوصل إلى أن الدين حقيقي وضروري كذلك لفهم وتفسير الدين. لكن كلام الشيخ الأكبر عن الأمور التي لا يستقل العقل بالتوصل إليها لكنه يقرها ولا يجد تعارضًا بينها وبينه. فالعقل آلة وليست جميع الآلات صالحة لجميع الأغراض مثل المسموعات لا تدرك بالأعين. ولعل الله ييسر كتابة تدوينة أخرى في بسط هذا الأمر المتعلق بالدين والمعرفة والعقل.)

فالفلسفة تطرح العديد من الأسئلة عن أمور هي عاجزة عن الإجابة عنها، مثل سؤال الوجود الذي ذكره أفلاطون وما زال يسأل إلى يومنا هذا. والدين يقدم إجابات عن مثل هذه الأسئلة، ومن نظر في إجابات جميع الأديان سيجد تقاربًا شديدًا في العقائد الأساسية مثل وجود مصدر أو مبدأ أول ومراتب الوجود وكيفية الوصول إلى هذا المصدر أو هذا المبدأ سواء سموه إلهًا أو وجودًا أو غير ذلك. وبكيفية الوصول المقصودة التي هي الطرق الخاصة والشرائع المختلفة تتفاوت الأديان، ويستدل بمدى عقلانية تفاصيل العقائد والشرائع للعقل الإنساني على بقاء هذا الدين على صورته الأساسية دون تبديل أو تحريف كما حصل عند الفلاسفة الذين ذكرهم ابن عربي أو في الأديان الأخرى. ونحن كمسلمين نمتلك أدلة على صحة ديننا، وكذلك على مخالفة الأديان الأخرى للعقل أو على عدم امتلاكها لدليل عقلي صحيح على أن تفاصيل عقائدها وشرائعها هي وحي من عند الله عز وجل. ونرى أن الدين هو الطريق الموصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى المطلوبة لذاتها والتي بدونها لا تفهم حقيقة هذا الوجود المحيط بنا على ما هو به في الواقع.

والحاصل أن معرفة الإله ومراتب الوجود وكيفية الوصول إليه مطلوبة لذاتها، ويستحق العارف بها اسم الحكيم لا محب الحكمة أو الساعي تجاهها. ولعل كون أشعار جلال الدين الرومي والذي كان عالماً شرعياً وشيخاً صوفياً هي الأشعار الأكثر مبيعاً في أمريكا عام 2007 يشهد للمعنى الذي أشير إليه. فهذا الشعب الذي لا يظهر في سلوكه التدين لم يكن ليقبل على تلك القصائد مع كونها مترجمة لو لم يجد فيها ضالة كان يبحث عنها. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.

فهذه هي العلاقة التي أراها بين الدين والفلسفة والله أعلم.

اللهم افتح علينا حكمتك، وانشر علينا رحمتك، يا ذا الجلال والإكرام.

On the Blessing that God has Given the Name Ramadan

hgfslgm.png

“كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به” – حديث قدسي

Ramadan starts either tonight or tomorrow, and I pray that it would start tonight. Nobody knows whether they are going to make it till tomorrow or not so the closer Ramadan is, the more likely I am to catch it. In fact, Prophet Muhammad (PBUH) encouraged us to ask God to make us live till Ramadan, for it is the most blessed among all months. It is the time of the year when God’s Mercy is manifest the most for those who are seeking it.

We are told that everything in the world is a manifestation of one of God’s Attributes. All existents are signposts that point towards God for whoever reflects upon them properly. “We will show them Our signs in the horizons and within themselves until it becomes clear to them that it is the truth.” [Qur’an 41:53]

They say that all of God’s Attributes derive from his Supreme Attribute – Mercy. Existence as we know and are most familiar with is governed by space and time, so God has created places that point most powerfully at Him as well as times that have the same function. It is commonly recognized that different places are more beautiful or majestic than others. The same applies to time even though it might not be as evident as in the case of space.

Prophet Muhammad (PBUH) tells us that different times have different bestowments from God, and he advises us to situate ourselves properly in positions where we can receive the most of such bestowments (inna li-rabbikum fi ayyami dahrikum nafahat-in ala fata’arradu laha). One of these times is unquestionably Ramadan. A regular prayer in Ramadan counts as seventy prayers in any other month. Ramadan also has laylat al-qadr that God describes as better than one thousand months. It contains as much opportunities of knowledge, closeness and contentment of God as are present in one thousand months.

Imam Ahmad Sirhindi, a great scholar and Sufi from the Indian subcontinent says that there is an analogy in the fact that the Qur’an was descended upon the Prophet in Ramadan. He says that each Ramadan, the Holy Qur’an descends once more. The Prophet was described by his wife Sayyida Aisha as a “walking Qur’an”. As followers of the Prophet (PBUH), we strive towards being walking Qur’ans as well. Ramadan is when Allah causes the Qur’an to descend upon the hearts of the believers and it is in Ramadan that they get the greatest chance to internally fuse with the meanings of the Qur’an and become closer to what the Prophet (PBUH) embodied. Sirhindi suggests that this might be the reason why Ramadan is called the month of the Qur’an. He says that being in a state of presence with God in Ramadan determines your presence with Him for the whole year. Again, God allows us to gain in one month what could be gained in a whole year. Of course, God’s Mercy is infinite and it is not limited to Ramadan, but Ramadan happens to be the time that God chose for bestowing the most upon his worshippers.

Another important blessing in Ramadan is that the devils get chained. This is something that needs more reflection. Imam Abu Hamid al-Ghazali, who is also a great Persian scholar and Sufi tells us more about that. God has created within us two main faculties: desire and anger. It is through these two faculties that life in this world is maintained. Without the passion of eating and drinking, we would starve and die and without the passion of sex, we would cease to pro-create so the human race would ultimately vanish. As for anger, God created it in us in order to fight injustice, and protect ourselves and others from external threats. However, we observe in the world how excess in each of these faculties is causing trouble, conflict and imbalance in the world. It is through excess use of these faculties that Satan achieves his goals.

The struggle that we go through in Ramadan has twofold significance, one finite and worldly and the other infinite and heavenly. In Ramadan, we are obliged to control the strongest of passions and are strongly encouraged to avoid anger. Fasting is an exercise of self-control that should result in gaining mastery of our inner faculties, in order not to use them excessively, hence, achieving victory over Satan. Ghazali says that “the spirit of fasting is the weakening of the powers that Satan use as means to leading towards evil.” The self-mastery that should result from abiding by the prophetic instructions of avoiding excess food even after Maghrib, avoiding lying, backbiting and making fun of others that is the key to eliminating evil from the world. The evil that results from some people’s love of possession of that which does not belong to them, leading to the disasters that we can most obviously see in the world on different levels, starting from households to global politics.

But this is only the finite worldly benefit of proper fasting, and I emphasize the word proper. There is an infinite, more sacred benefit as well. Fasting opens to us the doors to Paradise. The Prophet (PBUH) advised his wife Sayyida Aisha to “knock upon the doors of Paradise” through hunger. Ghazali tells us that hunger makes us weak, reminding us of our original weakness.  This knowledge of our weakness constitutes a part of the self-knowledge which in all authentic religions is the path towards ultimate knowledge, absolute knowledge, the knowledge of God. Hunger, according to Ghazali, weakens the body, our constituent that belongs to the physical world, allowing us access to our other counterpart, the soul, which belongs to the unseen world (‘alam al-ghayb or ‘alam al-malakut). Someone who has done proper fasting thus becomes ready for laylat al-qadr where a glimpse of the unseen world is revealed, a glimpse that could change our lives eternally.

This is the essence Ramadan. These are the opportunities that we are about to witness. May God allow us all to situate ourselves properly, even if slightly. A very little step of ours towards God is rewarded by multiples of steps from Him towards us. “Whoever walks towards me, I run towards him.”

 

Book Review: The Crisis of the Modern World by Rene Guenon

Eighty six years after its initial publishing, this book is as relevant as ever. This masterpiece by French Metaphysician Rene Guenon (also known as Shaykh Abdal Wahid Yahya) was written in 1927, a decade after the Great War and a couple of years before the Great Depression. While, at that time, many people ‘felt’ that something is going wrong, Guenon ‘understood’ exactly the reason why things are going wrong. He makes the clear distinction between feeling and understanding in the very first chapter of the book then he later says that his target readers are those who already have this feeling. He does not care about delivering his views to the public, but to the intellectual elect that is not immersed in materialism and that actually has the will and intelligence to take action.

Throughout the book, Guenon compares between what is traditional and what is modern. He claims that modernity, initiating in the West, isolated it from the traditional spirit that has always existed there and that had its final traces manifested in Catholicism. By tradition, Guenon means transcendent knowledge that could only be attained by intellectual intuition, an intelligence totally ignored by the moderns, or through direct contact with thoso who attain it. In contrast to traditional knowledge, there is modern knowledge that is rooted in modern philosophy. He believes that philosophy as we know it does not reflect the etymological meaning of the word. Philosophy comes from the root ‘philo-sophia’ or the love of wisdom. It is only means by which wisdom could be reached, not wisdom in itself as what is understood in the modern world.

Such confusion opened the door for ideas such as rationalism to flourish and become generally accepted in the West as opposed to intellectual intutition. This decadence added to the confusion within their minds that led to the negation of the supernatural, anything that cannot be conceived by the senses, hence humanism, individualism and the intellectual anarchy resulting from the negation of higher order of knowledge giving the rise to all the ‘isms’ we hear in social sciences. That was a time when “a philosopher’s renown is raised more by inventing a new error than by repeating a truth which has already been expressed by others.”

The decline in ‘religiousity’ apparent in the modern West is the result of none other than these ideas. The negation of higher order, of authority, allowed everyone even the ignorant to express their views about sacred texts. Religion was open to criticism by the incompenet and to private judgement driven by personal desires. An inevitable result was having religion controlled by the desires of individuals rather than the opposite. The tempting negation of authority (among other reasons) prevented the Church from taking required action.

Guenon defines materialism as giving priority to ideas of material order and that have a direct sensible effect. Its origin according to him lies in denying intellectual intution as means of reaching the truth. He even questions the West’s desire to find truth, claiming that it got totally replaced by utility. This, Guenon concludes, is what defines modernity. A Western system that will lead to its own destruction, be it through certain applications of what he calls ‘profane’ modern science, or through the spread of the false ‘isms’ throughout the world leading to more confusion than ever apparent in human history. This could be noticed in the confusion now felt in the East, where traditonal principles are still believed to exist but globalization (Westernization to be more accurate), by spreading anti-traditional knowledge and its applications, is leading the youth to act in the opposite direction of what they were raised up to believe. We can all feel this confusion and feel helpless about it. However, Guenon concludes his book by offering sound solutions. He notes that he doesn’t have the time to engage in philosophical discussions and he only does so when needed. His target readers, as mentioned above, are those who already ‘feel’ that something wrong is going on, and he urges them to take action instead of philosophizing. Otherwise, it will be too late.

I personally enjoyed this work and am looking forward to read more of Guenon’s work, and to test its truth against events and phenomena taking place around the world.

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٣٧٤٢.jpg

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٤٣٤٦.jpg

٢٠١٣١٢٢٧-١٨٤٣٥٨.jpg

عن ظاهرة الإلحاد الجديد و فرصة المسلمين الذهبية

أزعم أنا و من حولي أن ما جري في الخامس و العشرين من يناير عام أحد عشر و ألفين ميلاديا كان له تأثير عظيم علي حياتي. ففي يوم لن أنساه أبدا، كنت جالسا بغرفتي أتصفح الفيسبوك إنتظارا للصباح كي أتوجه إلي ميدان التحرير، إذ أُذِّن لصلاة الفجر فقلت في نفسي “إن كنت حقا أرجو التغيير، فعلي أن أبدأ بنفسي”. توضأت و خرجت لصلاة الفجر، و منذ ذلك اليوم لم أتوقف عن القراءة في الدين و في العلوم الإجتماعية (خاصة الإقتصاد) حتي يومنا هذا. تبحري في القراءة و مناقشة كل من هب و دب كانا مفتاحان لأفكار لم أكن أعلم بوجودها في العالم عامة و في بلدنا خاصة. ضمن هذه الأفكار فكرة وجود الإلحاد بين شباب المسلمين!

كنت أقوم بتوصيل أحد الزملاء من الجامعة إلي منزله حين سمعت منه ما لم أكن أعتقد أني من الممكن أن أسمعه من قبل .. “لا المهم أنك تخش الحمام برجلك اليمين” و سرعان ما وصل بنا الحديث إلي اعترافه لي بأنه ليس مسلما لأنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، و هو أيضا ليس بالملحد لأنه لم يبحث عن الرب من قبل!

بعدها بفترة قصيرة سألني أحد الأصدقاء إن كنت أستطيع أن أثبت له أن الرب موجود فصعقت و لم أجد إجابة. انتهي نقاشنا يومها أنه علي بالبحث عن إجابة لهذا السؤال و رشح لي أحد كتب الدكتور مصطفي محمود و شهد لي بأن هذا الكتاب هو الذي انتقل به من الشك إلي الإيمان. ثم توالت علينا الأحداث السياسية و ظهرت تيارات لا تعرف عن الإسلام سوي اسمه تدعي تمثيله، قد نجحت الأفكار العلمانية المطروحة علي الساحة السياسية في إثبات إفتقارها (التيارات الإسلامية) لبديل حقيقي نابع من التراث الإسلامي و عقيدته و شريعته يفوق ما يقدم علي موائد العالم السياسية. و لم يقتصر الأمر علي السياسة بل ظهرت من نفس الأناس فتاوي تظهر إفتقادهم للعلم و العقلانية و الإنسانية و أخلاقيات الإيمان مما أدي إلي زعزعة ما تبقي في صدر الشباب من الثقة برجال الدين، و الدين نفسه (من بينهم الصديق الذي نصحني بقراءة كنابات د. مصطفي محمود) و قدرته علي الإخراج {مِنَ الظُّلُمَات إِلَى النُّور}.

و من هنا كانت إنطلاقة موجة الإتجاه إلي نظريات و فلسفات التنوير، و التي خرجت أيضا ضد الإستبداد الديني في أوروبا فأنكرت وجود الله و نحّت الغيب عن رؤيتها للعالم، و خرجت منها حضارة تسود عصرنا هذا. و أصبحت النظريات “العلمية” الحديثة تربط كل ما تتوصل إليه إلي المادة الملموسة و المرئية و المسموعة دون إعتبار لما وراء المادة (أو ما وراء الطبيعة أي الميتافيزيقيا) و رموا بالعلوم القديمة، أي علوم ما قبل النهضة، التي اعتمدت علي التفكر المجرد وراء ظهورهم و أصبح العلم هو ما يمكن إثباته رقميا و ليس إلا فحلت الفيزياء (الطبيعة) محل ما وراء الطبيعة و أصبحت هي مقياس العلوم و من بعدها الأحياء فلخصوا مثلا الإنسان إلي مجرد خلايا تكون كائنا معين ثم لخصت تلك الخلايا إلي مجرد ذرات لها تركيب معين. و من هنا أصبح الإنسان مادة حسية قابلة للخضوع للتجارب مع فقدان كل ما هو معنوي. فروح الإنسان مثلا ليست لها تعريف علمي، و كذلك أحلامه و أخلاقه و سعادته فأصبحت تلك المعاني نسبية تختلف من إنسان لإنسان لا حقيقة لها. من هنا استباحوا الجسد الإنساني فطبقوا عليه نظرياتهم و تجاربهم العلمية آخرها نقل الأعضاء، ظنا منهم أنه يؤدي إلي إنقاذ الأرواح غافلين عن تأثير هذه العملية علي الجودة المستقبلية لحياة صاحب العضو المنقول.

الكارثة هنا لا تكمن في ما توصل إليه الغرب و قبلوه “دينا” جديدا لهم بل في تصدير تلك العلوم لنا و لمدارسنا علي أنها العلوم الصحيحة المؤكدة، و تدرسيها في مدارسنا لتخرج جيلا ينحي الغيب (بدون قصد) و لا يصدق إلا ما كان مرئيا أو ملموسا أو محسوسا. و يري العديد من الشعائر الدينية لا تطابق النظرية العلمية فلا يهتم بها مع حفاظه علي إعتقاده بوجود إله و نبي عظيم اسمه محمد. بل كتب بعض “مثقفينا” عن النبي العدنان صلي الله عليه و سلم و أرجعوا إنجازاته إلي عبقرية عقلية بدلا من وحي و توفيق و بركة من الله سبحانه و تعالي. و قد ذكر شيخنا الشهيد العلامة محمد سعيد رمضان البوطي في مقدمة كتابه فقه السيرة أن أحدهم استشهد علي ذلك ببيت الإمام البوصيري رحمه الله: “لم يمتحنا بما تعيا العقول به *** حرصا علينا فلم نرتب و لم نهم” و نسي هذا “المثقف” أن الإمام البوصيري في القصيدة عينها أنشد “جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ** تمشي إليه علي ساق بلا قدم”. و مع ضعف مستوي التعليم الديني تزامنا مع التقدم المادي الغربي زادت الدعاوي لتقليص الدين لمجرد الصلاة و الصوم و إبعاده عن الحياة العملية و الفكرية بحجة أن رسول الله صلي الله عليه و سلم احترم التخصص و العلم. و اعتبروا (أو شبهوا لأنفسهم) العلم المطروح علي الساحة العالمية بأنه هو العلم الذي هو “فريضة علي كل مسلم”

حتي لا أطيل. أول ما يصف به الله المتقين في كتابه هو {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. و قد حاولت بإيجاز أن أبين مدي وصول العالم بأسره إلي تنحية الغيب و هو أمر لا يختلف عاقلان علي مخالفته لديننا. و سيطرة منحو الغيب علي عقولنا تحدٍ عظيم. و بقدر عظمة التحدي ينبغي أن يكون الرد، و كذلك يعلمنا تاريخنا. فالمسلمون واجهوا ما هو أشد من ذلك في القرون الأولي حين ظهر عليهم من يزعمون أنهم من أبناء دينهم و يأتون فيه بما لم يأتي به الله و رسوله. و أقصد في حديثي المعتزلة و الجهمية. انخرطوا في الفلسفات الهيلينية و فتنوا بها فأصبحت هي مصدرهم للحقيقة بدلا من الكتاب و السنة. بل افتروا علي كتاب الله و زعموا أنه مخلوق و أنه ليس كلام الله عز و جل! و نسبوا لله سبحانه و تعالي ما لا يليق به من نقص و قالوا أن التحسين و القبيح هي أمور نسبية لا دخل للدين بها! و جاء من بعدهم بقرون فلاسفة أمثال ابن سينا (لا أنكر علي الرجل علومه الدنيوية) الذي قال بقدم العالم و لانهايته! فما أشبه تلك المحن بما نتعرض له اليوم من إفتراءات علي الله و رسوله. فخلق القرآن لا يختلف كثيرا عن تاريخية القرآن و التحسين و التقبيح البشري هما لب ما نواجهه الآن من ضعف في القيم السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية مما يخالف ديننا الحنيف.

و ما أشبه حالنا اليوم بحال المسلمين الذين صعقوا آنها مما يقدم لهم علي أنه الدين بدلا عما ورثوا عن آبائهم و أجدادهم وصولا إلي حضرة النبي المعظم! و لكن ها هو الإمام أبو الحسن الأشعري يتقن أفكار المعتزلة (كان الإمام الأشعري معتزلي في بدايته) ثم يدرك الحقيقة فيتقن ما أخبر به الله و رسوله عن العقيدة فيردع أفكارهم و يحطمها تحطيما دون إستخدام للقوة مستعينا بالحق سبحانه و تعالي مستخدما لسلاحهم (المنطق). و ها هو الإمام الأكبر حجة الإسلام أبي حامد الغزالي يتقن أفكار الفلاسفة و يؤلف كتابا يسميه مقاصد الفلاسفة يبين فيه أقوالهم و يقوي حججهم مثبتا إطلاعه علي كل مبادئهم ثم يؤلف تهافت الفلاسفة الذي طعن فيه في أفكارهم محتجا بالشرع و المنطق!

أذكر أول محاضرة لي في كلية الإقتصاد كانت في مادة التاريخ الإقتصادي للشرق الأوسط. بدأنا بمقالة للدكتور إريك تشيني أستاذ الإقتصاد في جامعة هارفارد عن دور علم الكلام (أو التوحيد/العقيدة/الأصول) في نهضة المسلمين، يبدأها بأن المسلمون سبقوا أوروبا فكريا بحوالي خمسة قرون و أن السبب الرئيسي لتلك النهضة الغير مسبوقة في تاريخ المسلمين كان إتقانهم للعلوم. و عندما رجع لعلوم المسلمين وجد أنها تفرعت من رغبتهم في خدمة العقيدة الإسلامية و أصول الدين فتوغلوا في سائر العلوم و أفرزوا نظريات تؤيد إيمانهم لأن الإستشهاد بالله و رسوله لم يكن كافيا لإقناع غير المسلمين بالدين و خاصة العجم منهم. و العجيب أن الإمام العلامة مفتي الديار الأسبق الدكتور علي جمعة يذكر في كتابه الطريق إلي التراث الإسلامي أن رغبة المسلمين في الإعتناء بكلام ربهم جعلتهم يبتدعون معادلات رياضية تنسق أشكال الحروف العربية علي نحو يليق بعظمة الكلام فاستفادوا بهذه العلوم في تطوير ما يعرف اليوم بالفن و المعمار الإسلامي. و عندما انتقل الدكتور تشيني إلي مناقشة تدني مستوي العلم في المنطقة كان السبب هو أيضا الغفلة عن التبحر في العلوم! فكم نحن بحاجة إلي من يحيي ذلك اليوم.

من يتأمل في أصول العلوم الحديثة سوف يجد أن أصولها ترجع إلي فلسفات عصر التنوير التي نحت الغيب كما أوضحت في أول المقال. و لم يكون تأثير هذه الفلسفات علي العلوم الطبيعية فقط و لكنه وصل أيضا للعلوم الإجتماعية. فدارس علم الإقتصاد يعرف جيدا أن آدم سميث كان فيلسوفا و أن أفكاره بنيت علي تصوره للدنيا الفانية و الإنسان الأناني الجشع. و دارس علم النفس يجد أن فرويد قدم تحليلا فريدا للنفس و لكنه اكفي بتحليل النفس الأمارة بالسوء و لم يتطرق إلي بقية مراتب الأنفس كما لاحظ الشيخ العلامة الدكتور علي جمعة. و المبادئ الكلية التي تنشأ الحضارة عليها تسمي بالنموذج المعرفي، و نموذجنا (المسلمون) المعرفي هو عقيدتنا. إيماننا بالله و ملائكته و كتبه و رسله و القدر خيره و شره و اليوم الآخر. بالتعرف علي كل ركن من أركان تلك العقيدة تتسع مداركنا و تتغير نظرتنا للحياة و نتمكن أن نولد علوم إسلامية حقيقية بدلا من قص و لصق العلوم الحديثة و نسبتها إلينا (زورا)

لن ندرك نهضة حقيقية إلا إن تمسكنا بمادئنا و عدنا إلي إعتقادنا المتين جدا مع أتقان العلوم الحديثة و إخراجها من أسر فلسفات التنوير مستفيدين من القرون الأربعة عشر الماضية خيرها و شرها و إلا استحققنا ما نحن فيه الآن من تخلف عن الركب الحضاري. و أخطأنا إن ظننا أننا من الممكن أن نلقي ديننا وراء ظهورنا و نستورد نموذج الغرب لأننا “قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا”

و عفوا علي الإطالة

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري - العلامة المتكلم سعير فودة - الشيخ المتكلم جمال فاروق.جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري – العلامة المتكلم سعير فودة – الشيخ المتكلم جمال فاروق.
جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

.

Egyptian Pound Devaluation: Causes and Consequences.

One month ago, Hassan, a friend of mine, bought 1300 USD (U.S. Dollars) for pocket money on his trip to Hungary. On his return, one week later, Hassan became 260 EGP (Egyptian Pounds) richer than he was upon departure. Had Hassan tried to buy the dollars two days later, he wouldn’t have been able to join his friends in Hungary. Banks limited dollar exchange -so as to avoid a currency crisis- to emergencies. You had to inform the bank 24 hours earlier, and they would decide if you deserve the transaction or not. The Egyptian Pound had been undergoing a series of devaluations for the past month, 6.64 EGP are sold for 1 USD on the second anniversary of the revolution. Rumor has it that an IMF loan negotiation is behind all (of) this (a topic I have discussed earlier).

EGP devaluation

EGP Devaluation

To close followers of the Egyptian economy, devaluation was not surprising. The central bank’s foreign reserves plunged from $36 billion before the revolution to $15 billion by the end of December. The reason for that is that the real economy’s share of exports constitutes only 20% of the demand for EGP while Tourism, Suez Canal Revenues, Remittances, Oil and Foreign Direct Investment make up 22%, 7%, 18%, 17% and 9% respectively, adding up to 73% of the demand for EGP. Given the turmoil caused by the January 25th uprising, lack of security and political uncertainty, much of this demand disappeared as tourists and foreign investors fled and the central bank had to step in, creating artificial demand for the pound (at the expense of USD reserves) in order to sustain a reasonable exchange rate for the pound. The Egyptian Central Bank’s monetary policy has price stability as its “primary and overriding objective” and Egypt has already been employing a managed float system since the day it abandoned its dollar peg in 2003. On the 29th of December, the central bank issued a statement that the rate of decline of foreign reserves is unsustainable and that a policy shift will take place. Since then, the EGP lost 4.7% of its value. This is not the end, it is expected that the USD/EGP rate will reach around 7.5 by the end of 2013.

International reserve deterioration

International Reserve Deterioration

Egyptian Exports (December 2010)

Egyptian Exports (December 2010)

Basic textbook economics tells us that such devaluation (and currency depreciation in general) is favorable to the Egyptian economy. The rationale behind this is that it will make Egyptian exports more competitive in international markets, boosting exports, production and employment. Furthermore, the increase in import prices will drive consumers to replace them with local alternatives. As a result, Egypt will start accumulating USD and the EGP value will rise. Empirical studies disagree. They show that this argument is fallacious on several grounds (at least for Egypt).

First, is what is known in economics literature as the J curve. Imagine that Sami & Co. exports razor blades to Beardistan (don’t waste time googling it). A package costs them 10 EGP and sells at 12. Before the EGP devaluation, a razor blade package cost Beardistan 2.07 USD. Now, with the depreciation of EGP, blades will cost them only 1.82 USD and Beardistanis with lower incomes will afford (the) deluxe Sami & Co. blades. Thus, demand for the blades will increase, driving Sami & Co.’s sales up. The effect reaches every exporting company and the economy will thrive.  The J curve holds that it will take Sami & Co. some time to adapt to the increased demand and increase its productive capacity. A study by AUC’s Dr. Hala El Ramly in 2004 found that it would take four years for Egypt’s exports to gain from devaluation. Fiscal deficit and current exchange rate were independent variables in her model, factors that are currently deteriorating; meaning that it will now take us more than the estimated four years. On the import side, we are the world’s biggest wheat importer. Yes, we’ll still import wheat (and other essential commodities) under any cost.

A graphical illustration of J-curve. This is how Egypt's production will behave after devaluation. The curve will lie mostly below the x-axis.

A graphical illustration of J-curve. This is how Egypt’s production will behave after devaluation. The curve will lie mostly below the x-axis.

Second, it’s not that simple. Devaluation does not necessarily mean that Egyptian exports will be cheaper! 52% percent of Egypt’s imports are raw materials, intermediate goods and investment goods. Egypt’s exporters’ cost of production will increase as (roughly) half of their inputs will inflate, raising their prices and diminishing the gains from devaluation.

Egyptian Imports (2011/2012)

Egyptian Imports (2011/2012)

Third, even if there is a gain to exporters, they don’t constitute much of Egypt’s production anyway. Egyptian workers and local firms will bear the costs of rising oil, bread, maize, tobacco, steel, cotton, fruits, vegetables, paper, aluminum, car spare parts, rubbers, telephone calls, refrigerators, dairy products, eggs, honey, sugar, pharmaceuticals and insecticide prices.

There’s no magical button to get matters back to order, though one would question that they ever really were. The government has two main long- term challenges: a sixty-year old socialist burden and angry protestors calling for. . . more socialism (as if 6 million bureaucrats are not enough). In the short-term, it has no other option than securing an IMF loan that will lift subsidies, raise taxes, liberate markets, add up $4.8 billion to our reserves, restore (some) investor confidence, reduce borrowing costs, limit devaluation and open up the door for $14.5 billion of aid and loans conditional on the IMF deal.

هل تحتاج مصر للإقتراض من صندوق النقد الدولي؟

أؤمن إيمانا شديدا بمقولة تشرشل:

“إن كنت شابا و لست ليبراليا فأنت لا تمتلك قلب، و إن كنت كبيرا و لست محافظا فأنت لا تمتلك عقل.

و المقصود بالليبرالية هنا هو الميل نحو اليسار الإقتصادي و بالمحافظة الميل نحو اليمين. و إيماني بالمقولة ليس بالمعني الحرفي و لكنه بالفكرة وراء المقولة. و هي أن الشباب عادة ما يكون منفعلا و متحمسا تجاه الإصلاح، و في بعض الأحيان لا يميز بين الحلول المطروحة بل تتجه عاطفته نحو أسهل و أسرع الحلول فنجده أكثر راديكالية ممكن يكبروه سنا. و بما أنني شاب في الحادية و العشرين من عمري، أري أغلب من حولي من الأصدقاء ممن تنطبق عليهم تلك المقولة، و بالتالي لم أستغرب حينما رأيت صفحني علي الفيسبوك تمتلئ بتعليقات تنتقد الإقتراض من صندوق النقد الدولي بل اعتبره البعض خيانة لطبقات الشعب المصري الأكثر معاناة.

 لم أدرس التاريخ أو العلوم السياسية حتي أكون رأيا تجاه “أجندة” صندوق النقد الدولي السياسية لكني أضع أمامي الوضع الإقتصادي لمصر ما بعد (و قبل) الثورة و أفاضل بين الحلول الموجودة أمامي. فبعد إضطراب سياسي مثل الذي شهدته مصر في العام و نصف العام الماضي ليس من الغريب أن يتأثر الإقتصاد بالسلب لفترة قصيرة، ثم يعود إن شاء الله إلي النمو الحميد بعد إجتياز الصعاب السياسية.  فإذا نظرنا إلي المؤشرات الأساسية للإقتصاد الكلي نلاحظ أن نسبة البطالة  قد إرتفعت إلي ١٢،٦ ٪، و الإنتاج قد انكمش بنسبة ٠،٨٪، و إحتياطي العملة الصعبة (دولار)  قد إنخفض إاي ١٤،٤٢٢ مليون دولار، و عجز الموازنة قد تجاوز الـ ١٠٪، و العجز في الميزان التجاري قد ارتفع بنسبة ٧٩،٦٪.

تنذر هذه الأرقام بأن مصر علي وشك أزمة إقتصادية حادة قد تضاعف من معاناة الطبقات السفلي و المتوسطة و تؤدي إلي تدني مستوي معيشة الكثير ممن ينتمون إلي الطبقة العليا المصرية و بذلك قد يوجه المتربصون بالثورة أصابع الإتهام إليها و إلي من مقام بها، و هي التي قامت أساسا من أجل القضاء علي فساد الحكم عامة و الفساد السياسي و الفقر خاصة. تلك الأزمة التي نتحدث عنها قد تصل إلي إفلاس الحكومة المصرية بمعني عدم قدرتها علي سداد مستحقاتها من الديون أو المرتبات … إلخ و قد يؤدي ذلك إلي إنخفاض غير مسبوق في قيمة الجنيه و بذلك إرتفاع في الأسعار. و السبب الرئيسي في ذلك هو ضعف المناخ الإقتصادي بسبب عدم الإستقرار السياسي. جميعنا يتذكر تفزيع النظام السابق لنا بهروب السياح و الإستثمار من مصر بعد الثورة و منادتهم بالإستقرار حتي يعود السياح و الإستثمار إلي مصر و تعود الأعمال إلي ما كانت عليه. و هذا الفزع مشروع لأن الإقتصاد المصري ليس و لم يكن تحت حكم مبارك إقتصادا حقيقيا يعتمد علي العمل و الإنتاج بل كان إقتصادا ريعيا يعتمد علي الدخل من السياحة و الدعم الخارجي و تصدير الموارد الطبيعية و دخل قناة السويس. و مع غياب الأمن غابت تلك العوامل خوفا علي أرواحها و أموالها.

هروب الإستثمار أدي إلي نقص في الإنتاج و في فرص العمل، و هروب السياح أدي إلي ضعف الطلب علي ما تبقي من الإنتاج، و المعونات الخارجية أصبحت رهنا علي قدرة الإقتصاد المصري علي التعافي و الإنتاج مرة أخري. أدي كل ذلك إلي نقص حاد في تداول الأموال داخل البلاد و بالتالي إلي المزيد من الإفلاس و البطالة و ما زال الإقتصاد المصري يدور في تلك الدائرة المفرغة حتي الآن. و مع نقص الإستثمار سواء كان خاصا أو حكوميا قلت إيرادات الدولة التي تمول إنفاقها في وقت تواجه فيه الدولة تحديات المطالب بل الحقوق السياسية و الإجتماعية التي تأخرت كثيرا تحت حكم الحزب الوطني و بات الشعب غير صابرا (و هو معذور) علي إكتسابها. لم تنجو المؤسسات المالية المصرية من عواقب عدم الإستقرار و علي رأسها البنك المركزي المصري الذي لعب دورا ممتازا في الحفاظ علي قيمة الجنيه. فالعملة كأي سلعة أخري تعتمد قيمتها علي قوانين العرض و الطلب، و مع ضعف الطلب علي الجنيه بسبب ضعف الصادرات المصرية اضطر البنك المركزي لإصطناع  طلب علي الجنيه عن طريق شراءه مقابل دولارات من إحتياطي البنك حتي خسر أكثر من نصفها، الدور الذي لن تتحمل موارد مصر الإبقاء عليه و سوف يؤدي ذلك حتما إلي إنخفاض قيمة الجنيه.

تلخيصا لما سبق فإن الإقتصاد المصري يواجه عجزا في الموارد ناتج عن ضعف المناخ الإقتصادي بسبب عدم الإسقرار السياسي. و إن قل عدم الإستقرار مؤخرا بسبب إنتخاب رئيس (و البورصة مؤشر جيد علي ذلك) فإن عدم اليقين السياسي ما زال موجودا. فمصر ما زالت بدون دستور و بدون سلطة تشريعية منتخبة لها أجندات توضح الإتجاه الذي سيسر الإقتصاد نحوه في الأعوام المقبلة حتي يعرف المستثمر مصير أمواله إن ضخها في السوق المصري. هناك أيضا عجز الموازنة الذي يتطلب الإقتراض الخارجي و ليس الداخلي لأن للداخلي مشكلتان: الأولي إرتفاع معدلات الفائدة إلي ١٧٪ علي الإقتراض بالجنيه و ٥،٧٥ ٪ علي الإقتراض بالدولار و الثانية هي أن مع إرتفاع الفائدة، تفضل البنوك التجارية إستثمار أموالها في الديون ذات العائد الكبير عن إقراضها لمشاريع القطاع الخاص الأكثر إنتاجية و من ثم فائدة للإقتصاد ككل. أما عن أزمة البنك المركزي فهي أيضا تحتاج إلي الإقتراض بالدولار لإنقاذ الإحتياطي الذي أهلكه الدفاع عن الجنيه، و الذي يعتبر المصدر الرئيسي للإستيراد، و لا ينبغي أن ننسي أننا نستورد ٤٠٪ من رغيف العيش المصري.

نعود للسؤال الرئيسي و هو لماذا صندوق النقد الدولي و الإجابة أبسط مما يعتقد البعض: لأنه الخيار الوحيد أمامنا. ساعدتنا بعض الدول بما تقدر عليه مواردها أو إرادتها السياسية و رهنت دول أخري مساعداتها بإقتراض مصر من الصندوق. يقترح البعض الإقتراض من الصين التي تريد نشر نفوذ سياسي في المنطقة خاصة و أن بنكها المركزي برقد علي ثلاثة ترليونات من الدولارات و قد تكون لها الرغبة في مساعدة مصر مساعدة حقيقية. و يا ليت الأمر بتلك السهولة، لم أقرأ لمحلل سياسي يطلب من الحكومة التوجه للصين و السبب هو أن للموضوع أبعاد سياسية قد لا يستوعبها إلا أهل التخصص. حتي إن وجدت الوسائل الأخري لفضلت الإقتراض من الصندوق لأن موافقته علي الإقراض تعطي الإشارة بأن مصر علي الطريق الصحيح من حيث التوجهات الإقتصادية و أن “الفلوس في الأمان” كما نقول في مصر و سوف نري بإذن الله إنعكاس القرض علي البورصة كمؤشر أولي لثقة المستثمر بالإقتصاد المصري. أتذكر يوم عاد أستاذي الدكتور محمد العسعس من رحلته إلي المنتدي الإقتصادي العالمي «وورلد إكونوميك فورَم» و أخبرنا بأنه سأل نائب رئيس البنك الألماني «دويتش بانك» و هو أحد أكبر بنوك الإستثمار العالمية عن ما يحتاجه لدخول مصر و كان رده هو قبول قرض الصندوق. و أضاف أنه يحتاج إلي دخول مصر مثلما تحتاجه هي إلي دخوله و لكنه لن يضخ أمواله في دولة لا يعرف توجه سياستها الإقتصادية في الفترة المقبلة. يعني ذلك أنه من الممكن لنا أن نضيف هذه الميزة للقرض و هي أنه سيساعد في حل المشكلة الأم للإقتصاد المصري كما عرفتها أعلاه.

تبقي نقطة القلق الأخيرة من القرض و هي الشروط. أنا لا أعرف صراحة ما سبب هجوم الناس علي شروط الصندوق التي لم تحدد بعد خاصة و أن د. مسعود أحمد و هو مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق قد اعترف أن الصندوق قد أخطأ مرات عدة في ربط القروض بشروط تعسفية و أنه يعلم حاجة الصندوق إلي تيسير الشروط مع مراعاته لظروف مصر الخاصة. و أنا لا ألقي باللوم في إخفاقات بعض الدول المرتبطة بالصندوق عليه فقط فهي إخفاقات متعلقة بحكومات فاسدة أيضا و لنا في حكومات نظام مبارك خير مثال. خاصة إذا ما نظرنا إلي دولة مثل تركيا التي كانت تعاني قبل تسعة أعوام من عدم إستقرار سياسي و أمني و اقترضت من الصندوق حوالي ١٥ مليار دولار تمكنت خلالهم زيادة الناتج المحلي بسنبة تقرب من ٣٠٠٪ و الدخول ضمن الدول العشرين الكبري من حيث حجم الإقتصاد و تحقيق إكتفاء زراعي و من ثم سيادة سياسية.

بصفة شخصية أعتبر نفسي قد حسمت موقفي من القرض إلا في حالة ظهور شروط شديدة التعسف و هو أمر أستبعده. سأحاول إن شاء الله نشر تعليقي علي الشروط إن وجب الأمر في حالة فهمي لها بعد إعلانها (لن أسبق الأحداث كما فعل البعض) و إن لم أفهمها فسوف ألتزم الصمت عملا بقول سيدنا الإمام علي رضي الله عنه “من قال لا أعرف فقد أفتي” و بمقال د. معتز بالله عبد الفتاح “بتفتي ليه“.