مدونة السعة

Category: Uncategorized

العبودية فرار من الوهم إلى الحقيقة

يشبه الإمام عبد الوهاب الشعراني الإنسان المعجب بذاته، صاحب “الأنا” الكبيرة، بشخص ذهب إلى مناسبة اجتماعية مرتديًا ثوبًا في غاية الحسن أعاره إليه أحد أصحابه ليحضر به هذه المناسبة. وأثناء المناسبة تغزل الناس في ثوبه وجماله، وفي ذوقه الرفيع الذي لا مثيل له .. إلخ.

في الحقيقة ثناء الناس في هذه الحالة ما هو إلا على ثوب صاحبه، وعلى ذوق صاحبه الرفيع، ولو توهم هذا الشخص للحظة أن هذا الثناء عليه، وبنى تصرفاته ومضى في حياته متغافلًا لحقيقة الأمر، يكون في غاية الحمق والسذاجة، وستبنى حياته كلها على الأوهام التي سيدفع ثمنها عاجلًا أم آجلًا.

كذلك حال الإنسان مع الله. فكل صفة وجودية فينا ما هي إلا أثر من آثار الله فينا، وإعارة من الله لنا لكمال من كمالاته. فعلمنا هو شيء يسير لا يذكر من علمه، وقوتنا شيء يسير لا يذكر من قوته، وجمالنا شيء يسير لا يذكر من جماله. ومن ظن للحظة أن هذا الكمال هو ملك له، أو أنه مستحق له كما توهم قارون لما قال {إنما أوتيته على علم عندي} فهو يكذب على نفسه كما يكذب على الناس. فأين كنا لما قدر الله لنا أقدارنا؟ وأي شيء فعلنا حتى ييسر الله لنا ذلك؟ وأي خير قدمنا حتى نستحق ما وصلنا إليه؟ {وما بكم من نعمة فمن الله}.

التحقق بالعبودية يقرب الإنسان من هذه الحقيقة، ويحرره من الأوهام التي من خلالها يكون للشيطان عليه سلطان {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، ويقيه من الكثير من الأزمات الروحية والنفسية التي نعيشها إن لم يكن أكثرها، بل يزعم البعض أنه يقي من كلها وهذا الأخير يحتاج إلى مزيد بحث.

ومن هنا نتنبه للخطر الكبير الكامن في الخطاب النفسي الذي يركز على بناء ثقة المرء في ذاته، وقوله له أنت عظيم وأنت جميل وأنت رائع. نعم كلنا غرقى في نعم الله لكنها لم تكن يومًا محاسن ذاتية لنا، بل عطايا أعطانا إياها الله سبحانه وتعالى ونسبتها إلى أنفسنا وهم وخداع محض.

.

{سبحانك لا علم لنا -إلا ما علمتنا- إنك أنت العليم الحكيم}

تحليل ظاهرة الإرهاب بين المفكر ومدعي الفكر

ملحد فرنسي يعتبر العمليات الإرهابية خروجًا من المسلمين عن نسق تراثهم الفقهي

و ”مفكر“ مسلم مصري يراها امتدادًا للتراث الفقهي (ربما لأن الاتهام يخدم مشروعه الفكري؟)

مارسيل غوشيه، فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي ملحد من الطراز الرفيع، يتربع على عرش التنظير الفكري منذ ٣٥ سنة على الأقل، يرى أن الهجوم الإرهابي على الجريدة الفرنسية «شارلي ابدو» عام ٢٠١٥ هو من تجليات الظاهرة التي يسميها هو في كتابه المسمى بـ«نزع السحر عن العالم»* «Le désenchantement du monde» ”الخروج عن الدين.“ هذه الظاهرة التي اجتاحت أوروبا قبل ٤٠٠ سنة على حد وصفه، والتي انتشرت حول العالم من خلال ما يسميه بالعولمة الثانية التي لا تقتصر على الهيمنة الاقتصادية على العالم لكن تهيمن كذلك على الثقافة والفكر. الفكر الذي يحتوي -طبقًا لغوشيه- على رسائل باطنة تدعو الناس للخروج عن الدين، وبدوره يخرج المسلمين من أنساقهم المعرفية المتمثلة في تراثهم الفكري إلى أنساق معرفية أخرى شاذة عنهم، ومن هذه الأنساق الشاذة تولد التطرف والإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام.

يرى غوشيه أن التناقض الأكبر في فكر هؤلاء الإرهابيين هو أنهم يحاولون إعادة عالمهم إلى ما كان عليه قبل أن تنهزم بلادهم أمام التغريب والعولمة، لكنهم في نفس الوقت يخالفون (بل يقول ينقطعون عن) المبادئ الفكرية التي كان عليها عالمهم الأول، ويتبنون مبادئ فكرية وفدت عليهم من هذا الغرب، والتي لا يحتاجون في تشربها إلى قراءة ومطالعة، لأن العالم الحديث ينشر ثقافة تؤدي بهم إلى تشرب بعض المفاهيم دون وعي.

هذه الرؤية ليست خاصة بغوشيه، وإن كنت أرى أنه أعمق من نظر لها لأنه فيلسوف عملاق، لكنها طرحت من قبل من قِبَل المستشرق المعروف جوزيف فان إس الذي يرى أن التطرف الذي يسمى بالإسلامي هو ظاهرة حداثية شاذة عن التاريخ الإسلامي، وكذلك عالم الإجتماع الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي أوليفيه روا الذي يرى أن هذا ”الجهل المقدس“ هو نتيجة التطرف العلماني الذي يفرض على المسلمين المعيشة في نسق اجتماعي مخالف لمعتقداتهم وبالتالي يؤدي إلى احتقان وتصرف عشوائي، وكذلك طرحه الفيلسوف الانجليزي الملحد جون جراي الذي يرى أن تنظيمًا مثل القاعدة هو تنظيم حداثي بامتياز يرجع نسبه الفكري إلى أوروبا وليس إلى الإسلام.

بينما تأتينا هذه الرؤى من عمالقة في الفكر الغربي، يخرج علينا أشباه المثقفين بأطروحات تمجها العقول، ترى أن هذه الجماعات الإرهابية هي وليدة التراث. وهؤلاء للأسف لا يفهمون التراث، ولا الفلسفة التي انبنى عليه تراث، ولا الفلسفات الحاكمة للعالم اليوم، ولا أصول فلسفة التنوير الذي يدعون إليه. ولو كانوا درسوا الفلسفة الغربية -لا أقول الفلسفة الإسلامية- كما ينبغي، لما قالوا ما قالوا. وأكبر دليل على ذلك دعوتهم إلى ”التنوير“، الفلسفة التي بدأ الغربيون في تجاوزها فكريًا منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وهنا أذكر قصة رواها لنا أستاذي في الفلسفة الدكتور ستيفن ستلزر (الرئيس السابق لقسم الفلسفة بالجامعة الأمريكيةبالقاهرة) عن أستاذه جاك ديريدا عندما زار مصر قبل سنوات. وهي أنه جالس بعض ”المثقفين“ عندنا في مصر وتكلموا في حضوره عن فلسفته بطريقة مبتذلة وغير دقيقة، فما كان منه إلا أن قال لهم: عليكم أن تقرأوا، عليكم أن تقرأوا، عليكم أن تقرأوا.

يا إخواننا المثقفين، ربما لو درستم الفلسفة ينفتح بيننا وبينكم باب للنقاش تخرج به بلادنا من أزمتها المعرفية التي تركها لنا ناعقوا الإسلاميين وناعقوا العلمانيين.

*لست متأكدًا إن كانت هذه هي الترجمة الدقيقة لكلمة désenchantement لكن الظاهر أنها الترجمة المعتمدة للمصطلح الذي أسس له ماكس فيبر الذي يختلف استخدامه للمصطلح عن استخدام غوشيه.

ماذا لو لقيت ريتشارد دوكنز؟

كنت متجهًا نحو محطة قطار مدينة أوكسفود قبل أسبوع عندما مررت بأحد المستشرقين المخضرمين، فظللت أفكر كيف أن المرء في هذه المدينة المرتكزة حول جامعتها عرضة لأن يلتقي بالكثير من الكتاب والمفكرين بمجرد إقامته بها، وأنهم يرتادون نفس المكتبات والأسواق والمقاهي التي يرتادها.

ثم خطر في بالي أني ربما ألتقي بريتشارد دوكنز مرة أثناء التجول في المدينة بما أنه من ساكنيها. وظللت أسرح بخيالي في الطرق المختلفة التي قد يتأتى لي إفحامه بها، وكسره نفسيًا، وأن هذا لو تأتى لي يكون انتصارًا كبيرًا .. لكنه انتصار كبير لمن؟

هذه هي المرة الأولى في حياتي التي فكرت فيها أن ريتشارد دوكنز من أمة الدعوة، وأن هدايته ينبغي أن تكون غرض الداعي إلى الله الأساسي وليس إفحامه. نعم، يجب علينا الرد عليه وأن نوضح بطلان دعاويه بقدر الإمكان، لكن بأي نية؟

هل الأليق بي كمسلم داعي إلى الله متبع لهدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أحب هدايته أكثر أم أن أحب أن أفحمه وأنكل به أكثر؟

وقتها تنبهت لقدر حظ نفسي في ما أحاول القيام به من خدمة دين الله، وتذكرت أن النفع بكلام الداعي إلى الله يكون بقدر إخلاصه، فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز كما يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندي، والقلوب تخاطب القلوب كما يقول المشايخ.

فكلما كان خطاب الداعي مع المدعو مشحونًا بحظ النفس الطالبة للانتصار الشخصي، كان تلقي المدعو بنفسه الآبية للإذعان للحق. وكلما كان الخطاب خارجًا من قلب يريد الله ورسوله، ويرى أن (الخلق عيال الله) وأن (أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)، اتسع قلب المخاطَب للإنصات والتفكر.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم).

فكما كانت هداية الكفار الحربيين أحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قتلهم، ينبغي أن تكون هداية المحاربين الفكريين للدين اليوم أحب إلينا من إفحامهم وإظهار عوارهم.

عن الإيمان، والكفر، والمجتمع المتدين بطبعه

نشرت هذه الخاطرة في صفحتي في فيسبوك أيام وفاة سارة حجازي -رحمها الله- بعد تصفحي لمدونتها، إذ تبدى لي حينها أن غضبها موجه تجاه تناقضات تدين المجتمع أكثر مما هو موجه تجاه دين الله.

ما أفهمه أن دين الله واحد من لدن سيدنا آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو الإسلام أنزل في صور مختلفة في أزمنة وأمكنة محددة، أوحى به الله لعدد من الأنبياء لا نعرف عددهم على القطع، وإن كان في الحديث أنهم يتجاوزون المائة ألف، إلى أن بعث خاتم الأنبياء سيدنا محمد للناس كافة.

وأن هذا الدين الواحد يتطابق مع الفطرة، وأنه إن بلغ أعماق الإنسان لا يرفضه إلا معاند متكبر على الحقيقة لا يريد أن يستسلم لها، أتته بشائر الرحمة فأعرض عنها واختار أن يكون مصيره إلى ضد الرحمة.

وأن العدد الغفير من البشر في الماضي والحاضر أعرضوا عن دين الله بسبب أن النسخة التي وصلتهم منه مشوهة، فيها من الخرافة ما يخفت نور حقيقتها، ومن التسلط البشري ما ينفر النفس الأبية عن الخضوع لسوى الله.

وبين المعاند ومن وصلته صورة مشوهة أشكال وأولوان من المزج بينهما.

ما أريد أن أقوله هو أن الكثير من الرافضين للدين لم يرفضوا دين الله، لكنهم رفضوا الدين المشوب بأهواء النفوس، دين المجتمعات المتدينة بطبعها التي تحكم بالمعايير المزدوجة .. إن سرق الشريف تركوه وإن سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، إن أخطأ الذكر أشادوا بجرأته وإن أخطأت المرأة وصموها ونكلوا بها، يأتي ما يأتيه من المنكرات ثم يزدري من يأتي بمنكرات غير التي يأتي بها، يأكل مال اليتيم ويزدري الزاني.

هذه الازدواجية هي عين تحكيم الهوى الذي جاء الشرع لمحاربته، فينبغي علينا ألا نستغرب حال من كفر بدين الأهواء المغلف بغلاف دين الله فلم يجد لنفسه سبيلًا إلا أن يخلط كفره بالباطل بكفره بالحق.

أنا هنا لا أبرر لمن يكفر كفره، لكني أفسره، ثم أترك الحكم على أسباب كفر الكافر لله تعالى عالِم السر وأخفى.

الحاصل أن من عظم دين الله في نفسه وجعل هواه تابعًا للشرع كان سببًا لتعظيم دين الله عند من حوله، وكان موقظًا للفطرة الإنسانية في من حوله، وكان نورًا يمشي في الناس. ومن جعل الدين آلة لتبرير هوى نفسه، وكان الشرع عنده تابعًا لهواه، فقد قلب الدين رأسًا على عقب، وصار سببًا لتنفير من حوله من دين الله، وليتحمل عاقبة ذلك في الدنيا والآخرة.

نسأل الله السلامة والعافية، والتوفيق لتغليب الشرع على أهوائنا.

اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزكي بها أعمالنا، وتبيض بها وجوهنا، وتعصمنا به من كل سوء.

هل نستطيع أن نعرف الحقيقة المطلقة؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

“دل كثرة الاختلاف على أن التمايز بين الصحيح والفاسد صعب، لكن صعوبته لا توجب عدم إفادة النظر الصحيح.”
الإمام عبد العزيز الفرهاري

الحمد لله،

من الأمور التي يستغربها الكثير من الناس اليوم، خاصة من يخوض منهم في الفلسفة والنظر العقلي، ومن له دراسة في العلوم الاجتماعية واختلاف المذاهب فيها، ومن اختلط بأناسٍ من أديان ومعتقدات مختلفة، قدرة البعض على التأكيد على أنهم يعرفون الحقيقة المطلقة. فالعالم مليء بأناس يدّعون أنهم يعرفون الحق، ومليء بالنزاعات والخلافات التي لا تظهر فيها مزية لأحد الآراء على الأخرى.

أنا أرى أن هذا الاستغراب مشروع ومتفهَّم لكنه لا يؤثر على صحة القول بأن هناك حقيقة مطلقة في شيء؛ ذلك لأن هذا الـمُستغرِب إما أن يكون استغرابه من فكرة وجود حقيقة مطلقة، أو من إمكان العلم بها فتكون هذه الحقيقة موجودة لكن معرفتها بشكل موضوعي غير ممكنة.

أما القول الأول: وهو أنه لا توجد حقيقة مطلقة فهو متناقض في نفسه، لأن القول بأنه لا توجد حقيقة مطلقة هو ادعاء أن الحقيقة المطلقة أنه لا توجد حقيقة. فيكون القائل بهذا القول منكرا لوجود حقيقة مطلقة مع ادعائه أنه ثمة حقيقة مطلقة موجودة وهي أنه لا توجد حقيقة مطلقة.

أما القول الثاني: وهو أنه لا توجد حقيقة مطلقة نابع من كثرة الاختلاف بين الناس. ففي مجال الأديان، المسلم يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، والمسيحي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، واليهودي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل … إلخ. وفي العلوم الاجتماعية الماركسي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، كذلك الليبرالي الجديد، كذلك الواقعي. وفي العلوم التجريبية كذلك نجد مدارس تدعي كل مدرسة أن تفسيرها للظواهر التي يدرسونها هو الصواب. وفي هذا الموقف يقف الباحث موقف المحتار الذي يرى تكافؤ أدلة الفرق المتنازعة ولا يرى مزية لدليل على الآخر. وهذه الحيرة هي التي تزهِّده في الحقائق وتورثه القناعة بأن الوصول للحقيقة متعذِّر لا يظفر به طالب.

هذه الحيرة التي تحصل للباحث يظهر لي أن لها سببين. الأول: عدم التفرقة بين ما هو قطعي وما هو ظني، والثاني غياب المعيار الذي به يُحكم على صحة الأفكار وفسادها.

هناك أمور ظنية وأمور قطعية. فالعلوم الاجتماعية مثلا مليئة بالفعل بالاختلافات بين مدرسة وأخرى. ففي الاقتصاد مثلا تجد بعض المتخصصين يرون أن أفضل سبيل للخروج من الأزمات هو الإنفاق الحكومي لأن القطاع الخاص يؤثر السلامة في وقت الأزمات، والبعض يرى أن السبيل هو الحد من الإنفاق الحكومي حتى تزداد ثقة القطاع الخاص في الحكومة، ولكل منهما وجهة نظر. وما زال الاقتصاديون مختلفين في ذلك وكل يقدم أدلته دون أن تميل كفة إحدى المدرستين على الأخرى بدليل عدم وقوع الاتفاق بالرغم من استمرار النقاش لعشرات السنين. لكن هذه الأمر يظل ظنيَّا يقبل الاختلاف، ولا ينبغي التعامل مع كل شيء على أنه ظني.

هناك كذلك أمور قطعية، من ضمنها مثلا كون الواحد نصف الإثنين، وكون مساوي المساوي مساوي. فأنا إن قلت إن محمدا في نفس طول سارة، وسارة في نفس طول عائشة، يلزم الوصول إلى نتيجة أن محمدا نفس طول عائشة. هذه نتيجة قطعية لازمة من المقدمتين الأولتين على اعتبار صحتهما. فمهما تكوَّن الدليل من مقدمات كلها يقينيةـ فما الذي يمنع من أن تكون النتيجة يقينية مطلقة؟

قالوا في تعريف علم المنطق أنه آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الوقوع في الخطأ. ومن المهم الالتفات في هذا التعريف إلى أن مراعاة الآلة هي التي تعصم الذهن عن الوقوع في الخطأ، لا الآلة نفسها هي التي تعصمه. وهذا مهم، إذ أنه من الممكن أن يكون الشخص دارسا للمنطق، مخطئا في طريقة استخدامه التي هي مراعاته ويكون كالذي يحمل السيف لكنه لا يستخدمه في الدفاع عن نفسه.

إذن، كما كتبت أعلاه، هناك أمور ظنية تقبل الاختلاف، وأمور قطعية لا تقبله. وهذه الأمور القطعية لها قواعد ومعايير مستفادة من علم المنطق يجب مراعاتها من أجل الوصول للحقيقة، والعقل هو المعيار الذي به نعرف إن كانت قواعد المنطق مطبقة في الاستدلال أم لا.

والاستدلال حتى يؤدي إلى حقيقة مطلقة يجب أن يتوفر فيه شرطان: الأول الذي يسمى صحة مادة الدليل هو أن تكون كل المقدمات المستخدمة في الاستدلال يقينية، فلا تكون النتيجة اليقينية مبنية على معلومة ليست يقينية. والثاني الذي يسمى صحة صورة الدليل هو أن تكون هذه المقدمات اليقينية مرتَّبة ترتيبا يسمح بأن نتوصل من خلاله إلى نتيجة. فمهما كان الدليل مؤلفا من مواد يقينية وصورته صحيحة كانت النتيجة يقينية حقيقية لا تقبل الخلاف.

ومن الكلام السابق نتوصل إلى أن الخلاف الواقع بين الناس إما أن يكون بسبب أن بعض الفرق تستخدم مقدمات غير يقينية أو أن هناك خللا في الطريقة التي تجمع المقدمات ببعضها البعض إلى أن تؤدي إلى نتيجة. ويكون واجب الناظر في القضايا الخلافية هو أن ينظر في أدلة كل فريق يدعي أنه على الحق ويكون محل بحثه في صحة مادة الدليل وصحة صورته.

والعاقل لا ينكر قول القائل لمجرد أنه ادعى أنه على الحق، بل يفتش في دليل هذا المدعي ويبحث عن فساد مادة دليله أو صورته، وإن لم يجد هذا الفساد فلا يحق له الاعتراض على قول لمجرد أنه خالف اعتقادا مسبقا لديه. فإن اعترض لمجرد مخالفة اعتقاده المسبق يكون هذا هو عين التعصب والجمود.

وهذا القول بأن الحقائق لا يتوصل إليها هو نتيجة الفلسفة الحداثية التي أخطأت كثيرا في استخدام العقل إلى أن فقدت الثقة فيه واعتبرت أنه لا سبيل إلى معرفة الحقيقة من خلاله. ولعلي أتعرض في المقالة القادمة إلى سبب التوصل إلى هذا الفقدان للثقة في العقل.

اللهم نوِّر عقولنا وقلوبنا حتى يتضح إلينا الحق بغير التباس وأعنّا على اتباعه يا معين.

معضلة الشر، وتلذذ العارفين بالألم!

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٩ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

ما زال السؤال المسمى بمعضلة الشر يُحيّر المحتارين، ويشغل أذهان المخلوقين، وإن كنا قد بيننا في مبادرة سؤال أكثر من مرة أن “معضلة الشر” ليست بمعضلة حقيقة، إنما هي عدم رضا من المخلوق عن فعل الخالق. فوجود الألم والمعاناة في الكون لا يعني –عقلًا -أن الإله غير موجود. غاية الأمر أنه يعني أن أفعال الإله تأتي بما لا يريده بعض الناس. أما العقل فليس لديه ما يحكم به بأن خالق الكون يستحيل أن يفعل أمورًا لا يريدها خلقُه. لكن البشرية تعاني من المرض الذي عانى منه إبليس، وهو عدم تقبل مراد الله، والرغبة في أن تكون أفعال الخالق تابعة لأفعال المخلوق وليس العكس. هذه الحالة من رفض الحقائق لأنها لا تروق لنا سماها الفيلسوف الفرنسي رينيه غينو (هو نفسه الشيخ عبد الواحد يحيى) بالعصيان الفكري (Intellectual Sedition). وشتان بين العقل الإبليسي المريد لأن تكون الحقائق تابعة لأهوائه، وبين العقل المحمدي المنوَّر بنور الله الذي يعشق الحقيقة ولا يريد سواها فيريد أن يكون مرآة تنطبع الحقائق فيها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».

          وللعارفين بالله تعالى، الذين عرفوا الله فلم يروا شيئًا إلا ورأوا الله فيه، مشاهد نظروا بها إلى الآلام، فانقلبت في أعينهم لذَّات. وقد تواتر عنهم هذا المعنى من لدن الأنبياء صلوات الله وسلامه إلى المصطفين من العصر الذي نعيش فيه ممن شهدوا أسرار هذا الكون فاستأنسوا بكل ما خلقه الله خيرًا كان أو شرًا، إلى درجة أن أحد المريدين أرسل لشيخه -هو الإمام علي الحبشي- رسالة يشكو فيها من الألم الذي أضره، فأرسل الشيخ له رسالة يحضّه فيها على أن يستأنس بنعمة أنعم بها الله عليه وهي نعمة المنع، فكتب مخاطبًا النفس الإنسانية قائلًا:

يا نفس إن لم تظفري لا تجزعي * وإلى مواهب جود مولاك اهرعي

ولربما إن تأخر مطلب * في ذلك التأخير كل المطمعِ

فاستأنسي بالمَنْعِ وارْعَيِ حَقَّهُ  * إنَّ الرِّضَا وَصْفُ المنيبِ الألْمَعِ

وأرسل للإمام علي الحبشي إنسان آخر يشكو له الجَوْر والظلم الذي ألمَّ بأهل بلده فخاطبه الإمام علي الحبشي قائلًا: «وليكن في بال أخي حفظه الله أن في مظاهر الاختبار بموارد الابتلاء ما لو وقف ذو البصيرة المنيرة على سره لأحب يكون مظهرًا لذلك.» فهذا الإمام هنا لم يكتف بإخبار الشخص أن عاقبة الابتلاء إلى الخير، وأن الظلم سيذهب، وأن المبتلى في الدنيا يعوضه الله في الآخرة، بل قال له أن هذا البلاء والاختبار في ذاته أمر حسن لو أدرك الإنسان حقيقته لكان هذا الابتلاء أمرًا محببًا إليه.

          ويشير الإمام أحمد السرهندي إلى معنى شبيه وهو أن الآلام والمصائب وإن كان مظهرهما الشر، فحقيقتهما خير خالص، لأن هذه الآلام والمصائب تقع في عالم الأجسام، وعالم الأجسام وعالم الأرواح متنافران، فمتى حصلت للإنسان مصيبة في جسمه حصل له في روحه لذة يعوضه الله بها وترتقي بها روحه وتعرج في مدارج القرب من الله والأنس بشهوده، لكن الأمر كما قال الإمام علي الحبشي: ”طوت العلوم أسرارها، وأجنَّت الأسرار أنوارها، فذهب الفكر مع ما ورد من غير تعريج على أسبابه ولا تطلع إلى غايته.“ فالإنسان الذي ينشغل بالتخلص من شهواته ومجاهدة نفسه يصل إلى درجة من الروحانية لم يعد فيها يبالي بالألم الجسدي، لأنه مشغول باللذة الروحية التي يجدها من وراء ذلك الألم. كالرياضي الذي يعاني صعوبة التمارين والألم البدني ولا يلتفت إلى الصعوبات البدنية التي يواجهها، لتيقنه من أن هذه الآلام من ورائها لذة أكبر ستأتي حتمًا، فترجع المعضلة عند ذلك إلى معضلة اليقين: الإنسان ليس لديه يقين بأن الله سبحانه وتعالى جعل له من وراء هذه الآلام لذة.

          وقد أضاف الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي إلى هذه المعاني معانٍ منها أن العارف بالله تعالى بعد أن تحقق بالعبودية، صار بالإضافة إلى كونه راضيًا، مؤثرًا لغيره على نفسه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الحشر: 9] فيتحول هذا العارف إلى إنسان ساعٍ إلى خدمة وإسعاد كل من حوله، ويؤثر جميع مخلوقات الله على نفسه. فيؤثر على نفسه غيره من الإنس، والحيوانات، والجمادات، بل حتى المعاني التي منها الألم. فيريد هذا العارف للألم أن يخرج من العدم إلى وجود نسبي يتحقق فيه، فيأخذ هذا الألم نصيبه من الظهور، ولا يبالي هذا العارف أن ظهور هذا الألم يتسبب له في أذى، لأنه آثر بقية مخلوقات الله على نفسه طمعًا فيما عند الله، تحققًا بمعنى الحديث «الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله مَنْ أَحْسَنَ إلى عياله». فهؤلاء الناس لم يكتفوا بأن يكونوا رحمة للإنس، ولا للحيوانات، ولا للجمادات، بل كانوا رحمة للمعاني، إذ كانوا ورثة من قال سبحانه وتعالى فيه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] وكانوا ممتثلين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالتخلق بأخلاق الله الذي قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]

          وأثناء كلامه حول الحديث القدسي «سبقت رحمتي غضبي» يشبه ابن عربي الرحمة والغضب بفرسين متسابقَين، الأول بطيء طويل النفس، والثاني سريع قصير النفس. فالثاني يبدأ السباق بداية قويًة توهم من لا بصيرة عنده ولا معرفة صحيحة أنه حتمًا سيفوز وأن الأول سينهزم هزيمة ساحقة. ثم يمر الوقت، ويبدأ الثاني في الفتور، ويقترب الأول منه شيئًا فشيئًا إلى أن يفوز في نهاية السباق. ومما قصد ابن عربي بهذا التشبيه أن ينبه العباد أن ظواهر الأشياء وإن كانت مؤلمة إلا أن هناك وراءها رحمة إلهية أكبر منها يدركها العارف بالله ولا يدركها الإنسان القاصر في معرفته الذي لم تتحرر روحه من سجن جسده فتشهد الأشياء على حقائقها. فالعارف يدرك هذه المعاني في هذه الحياة، وغيره لا يدركها إلا في الدار الآخرة التي هي محل انكشاف الحقائق {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] والمؤمن يثق فيما عند الله وإن لم يطلعه الله عليه.

          هذا الكلام المذكور ليس تنظيرًا فارغًا، بل حقيقة عاشها الأولون ويعيشها الآخرون. فقد حكى لنا شيوخنا عن شيخهم الحبيب إبراهيم بن عقيل بن يحيى، الذي اشتد عليه المرض في أواخر عمره إلى أن صار لا يتحرك من الفراش، وقد كان المرضى يأتونه فيدعو لهم فيستجيب الله ويشفيهم. فلما سأله من حوله عن دعائه للناس وعدم دعائه لنفسه قال: إنه لا يحتاج لذلك لأنه في عين العافية وهي أن يسلَمَ قلب الإنسان من داء الاعتراض على الله. وفي موقف آخر سُئل عن صحته فقال: إنه وصل إلى حالة لا يكاد فيها يستسيغ الماء لكنه في بحبوحة من الرضا. هذا الرجل الذي أنسته معرفته بالله آلامه الحسية هو وريث رسول الله الذي بلغ به الأذى من قومه ما بلغ فخاطب ربه قائلًا: «إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي»، ووريث سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي مرض فقيل له أنهم سيستدعون الطبيب فقال إنَّ الطبيب -وهو الله عز وجل- هو الذي أمرضه.

          هؤلاء أناس لم يروا في الكون إلا الله، فلم يروا إلا الخير والحق والعدل والجمال والمحبة، وصاروا مستأنسين بالله تمام الاستئناس على الدوام، ولم يضطربوا باضطراب أحوالهم ولم يزعزع ذلك في قلوبهم شيئًا لأن مرادهم الوحيد لم يغب عنهم لحظة، وهو في أعينهم كل شيء. أما نحن، فننزعج ونضطرب، ونعترض، ونفقد عقولنا إلى درجة نشك فيها في أكبر حقيقة في الكون وهي الله سبحانه وتعالى. وحالنا هذا ليس بمستغرب لأننا نعيش في عالم ليست المرجعية فيها لله ورسوله والصحابة والصالحين، ولو كانت هذه مرجعيتنا لتغيرت تصوراتنا، ولما تخبطنا هذا التخبط، ولما أدت بنا الآلام إلى الوصول إلى الدرجة الإبليسية من الجحود.

هل يريد الله أن يضيق علينا؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٨ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

كثير ممن يسافرون لقضاء فترات طويلة في الغرب يعودون إلى بلادنا بنظرة ساخطة على حضارتنا، وعلى عاداتنا وتقاليدنا، وعلى موروثنا الفكري، وعلى العديد من القضايا الدينية مثل جدوى العبادات الظاهرة، ودور الدين في المجتمع، وقضايا المرأة، وحرمة الخمر وغيرها. وكذلك يعودون بغضب على التبريرات التي تعلموها لتصرفاتهم الدينية مثل أننا لا نأكل الخنزير لأنه مضر بصحة فيقولون: هناك مأكولات أكثر ضررًا من الخنزير فلماذا لا يمنعنا الدين منها؟

في الحقيقة، نحن لا نمتنع عن أكل الخنزير لأنه مضر، نحن نمتنع عن أكل الخنزير لأن الله سبحانه وتعالى نهانا عن أكله، فنحن ننتهي عن أكله امتثالًا لأمر الله فقط لا غير. لكن لماذا يهتم الإله بهذه التفاصيل للإنسان؟ أليس كافيًا أن نعيش في سلام ولا نؤذي غيرنا؟

في رأيي هذا السؤال ينبع عن عدم تعلمنا للدين بطريقة صحيحة منذ الصغر. فالسؤال الصحيح في رأيي هو: ما الذي يسمح لنا بأكل الخنزير؟ نحن في هذا الكون كمن يستيقظ في بستان كبير له صاحب، لا يحق له أن يتصرف في هذا البستان إلا بإذن صاحبه. الله سبحانه وتعالى هو صاحب هذا البستان الكبير المسمى بالكون وبالتالي لا يحق لنا أن نتصرف في أي موجود في هذا الكون إلا إن علمنا أن صاحب الكون يأذن لنا باستعماله. لكنا نعيش في ظل حضارة أنكرت الإله، وجعلت النفس البشرية هي الإله الجديد الذي يتحكم في الكون بأسره بدءا من أبسط المخلوقات وصولًا إلى أرقاها وهو الإنسان. فلم تكتفِ الحضارة الحداثية باغتصاب الطبيعة مؤدية بنا إلى الأزمة البيئية التي نعيشها، بل وصلت بها الأنانية إلى اغتصاب حياة البشر الأضعف منهم كما تفعل الشركات الكبرى في مصانعها في دول العالم الثالث. الشركات التي تعامل الإنسان على أنه آلة وتحبسه في المصنع وتكبته نفسيا إلى أن يصل به الحال في كثير من الأحيان إلى الانتحار. الشركات التي تحبس عشرات الآلاف من الحيوانات في صناديق حتى تستطيع أن تستخرج منهم أكبر قدر من الإنتاج، ولا يقتصر ذلك على الإنتاج المأكول بل يأخذون منهم الهرمونات والكيماويات المطلوبة للسلع الاستهلاكية والترفيهية.

كل ذلك يحصل بسبب أن الإنسان لم يجد من يضبطه، لأن النفس الإنسانية لم تتربَّ على أن تتحكم في شهواتها، فصارت تلهث وراء كل ما يلبي رغباتها، متناسية بذلك المفاهيم الراقية مثل مسؤولياتها تجاه الإنسان والحيوان بل والجماد. ذلك لأن هذه المفاهيم لم تتحول عند كثير من الناس من مفاهيم في العقل إلى حياة تعاش، لأن الإنسان عندما تغلب عليه شهوته يضعف أثر عقله على تصرفاته فيتصرف تصرفات تخالف مقتضى العقل السليم. وكلنا نرى ذلك من أنفسنا عندما نشتري أمرًا لا نحتاجه ونحن نعرف بعقولنا أننا لا نحتاجه وأن شراءه قد يؤثر علينا بالسلب ماديًا، لكننا في لحظة الشراء في السوق تأتي لنا أنفسنا بكل المبررات العقلية لشراء هذا الشيء. ثم بعد أن تنطفئ هذه الشهوة بداخلنا نجزم بأننا لم نكن نحتاج هذا الأمر كما ظننا.

الله سبحانه وتعالى هو خالق نفوسنا وخالق شهواتنا، وهو يعلم تمامًا كيف تروَّض هذه النفس حتى لا تتحكم في الإنسان تحكمًا يضعف من تأثير عقله عليه، وبالتالي يتصرف الإنسان تصرفات مخالفة للعقل فيكون تأثيرها عليه وعلى المجتمع المحيط به تأثيرًا سلبيًا.

نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نفسنا التي بين جنبينا هي أكبر عدو لنا، وعلمنا أن نكرر كل يوم دعاء: اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، فنبهنا إلى أن الاتكال إلى النفس يكون أشد انتزاعًا لحرية الإنسان من الاتكال إلى غيره من الناس، فإن النفس لا تفارق الإنسان لحظة فلو كانت النفس هي ما يتحكم فيه لصار فاقدًا لحريته في كل لحظة من لحظات حياته.

الشريعة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى لنا ليست هنا لتقيد حريتنا لكنها هنا لتحررنا من أسوأ أنواع الأسْر والقيد الذي هو أسْر النفس. فالإنسان الذي يمنع نفسه من بعض رغباتها يتعلم منذ صغره أنه لا ينبغي له أن يفعل كل ما يريد لأن ذلك سيؤدي به إلى تعدٍّ على نفسه وعلى غيره. فالإنسان الذي يحدد مأكولاته ومشروباته وتعاملاته الاجتماعية بالرغم من رغبة نفسه فيها، يتربى شيئًا فشيئًا على معنى أن هذا الكون ليس ملكه بل هو ملك الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لا يتصرف فيه كما يحلو له إلى درجة تجعله يدمر البيئة ويهدد صلاحية كوكب الأرض للحياة الإنسانية.

وأختم هذا المقال بأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاني نقلها عنه الصحابة رضي الله عنهم تعلمنا أن نتعامل مع غيرنا من الحيوانات بل من الجمادات بأدب وبوعي أن هذه المخلوقات ليست ملكنا، بل استعمالنا لها يجب أن يكون على طريقة معينة تذكرنا دومًا أننا ليس لنا أن نستغلها كما نشاء، فنحن عندما نقول: إننا لا نأكل إلا اللحم المذبوح بطريقة معينة، نذكِّر أنفسنا أن هذا اللحم لولا أن أذن لنا الله أن نذبحه بهذه لما كان لنا الحق في أن نأكله لأنه ليس ملكنا، وإليكم بعض تلك الأحاديث:

روى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره إذ امرأة من الأنصار على ناقة فضجرت منها فلعنتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة».

فهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا أن من يلعن الحيوان الذي سخره الله له لا يحق له أن يركبه ويستعمله. هذا في حق الأذى المعنوي بالكلمة فما بالنا بالأذى الحسي الذي نسببه للحيوانات اليوم؟

وروي عن سيدنا أبي الدرداء الأنصاري أنه قال: «ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن الله أعصانا لله».

وهنا صحابي من أصحاب رسول الله يخبرنا أنه لا ينبغي أن يلعن الإنسان الأرض التي سخرها الله له ليمشي عليها، ويذكرنا أن الأرض مخلوق مثلنا، وأن هذا المخلوق لم يعص الله قط ونحن إن كنا عصاة كانت هذه الأرض أفضل منا.

كل هذا الكون خلق من أجل الإنسان؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٨ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

أحيانًا يطرح بعض الناس فكرة مفادها: أن الإنسان كائن لا قيمة له، حجمه صغير جدا بالنسبة إلى الكون الواسع الذي يعيش فيه، ولا يتأتى أن يكون الإنسان هو الكائن الأهم بين كل هذا الكون العظيم، وبالتالي يكون المنطق الديني الذي يجعل الإنسان هو المقصود من خلق الكون منطقًا غير مقبول بالنسبة إلى وجدان العديد من الناس.

هذه الفكرة في رأيي –مع عدم إمكان فصلها عن ارتباطها بالفلسفة الوجودية– تفتقر إلى أمرين متعلقين بالفهم الصحيح عن الله سبحانه وتعالى إما من الناحية العقدية أو من الناحية الروحية الرمزية.

فمن الناحية العقدية، يقوم هذا الإنسان الذي يعتنق هذه الفكرة بقياس الله سبحانه وتعالى على نفسه، فهو يرى أن هذا الكون الكبير عمل شاق جدًا في تكوينه، وبالتالي يتساءل: كيف يكون هذا العمل الكبير الشاق من أجل كائن ليس له حجم يذكر؟ أليس من شأن الإنسان الذي يعمل على مشروع ضخم أن يكون المقصود من المشروع ضخمًا كذلك؟ أليس من غير المعقول أن يقوم إنسان بتصميم مدينة كبيرة فخمة تصميمًا إبداعيا ويصرف عليها الأموال الطائلة ثم يقول: هذه المدينة صممتها من أجل البعوض وسخرت كل مواردها من أجله؟ ألا يعد ذلك عبثًا وإهدارًا للموارد؟

لكن المشكلة في مقارنة الله بالإنسان تكمن في أمرين: الأول أن يكون العمل بالنسبة لله سبحانه وتعالى شاقًّا وهذا الأمر مستحيل لأن الله سبحانه وتعالى يقول للشيء {كن فيكون} فلا تتصوَّر المشقة في حقه سبحانه وتعالى {ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم}. والأمر الثاني أن صاحب هذا الفكر يتوهم أن الله سبحانه وتعالى ينفق –مثله مثل الإنسان-من موارد محدودة وبالتالي يكون هذا الأمر هدرًا، والله سبحانه وتعالى يخلق الأشياء من العدم وخزائنه لا تنفذ فلا يتصور الهدر في حقه. فهذه الفكرة كما قلنا تفتقر إلى الفهم الصحيح عن الله من حيث العقيدة.

أما من الناحية الروحية الرمزية، فإننا كأمة قد فقدنا النظر إلى المعاني الرمزية التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون. ولعل ذلك يكمن في غلبة انشغالنا بالأمور المادية عن الأمور المعنوية والروحية كما هي طبيعة الحضارة الحديثة التي نعيش في ظلها. فصرنا لا نلتفت إلا إلى الظواهر من الأمور المادية ونغفل عن البواطن والمعاني التي تكمن وراء ما نشاهده بحواسنا. الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بأسره ليكون دالًا عليه. فحقيقة وجود كل شيء في الكون هو اتصاله بالموجود الحقيقي الأصلي وهو الله سبحانه وتعالى. لكن الإنسان كثيرًا ما ينسى ذلك ويظن أنه مستغن عن الله سبحانه وتعالى فيتعامل مع الكون كأنه هو –أي الإنسان-هو المالك له، وأنه هو الكائن المتصرف في هذا الكون ويحل نفسه محل الإله كما فعلت الحضارة الغربية. لكن من ينظر في هذا الكون الكبير الضخم، يدرك مدى تضاؤل الإنسان من حيث حجمه المحسوس أمام الكون الكبير من حيث الحجم المحسوس بل يكاد يكون الإنسان في جانب العالم من حيث الحجم المحسوس عدمًا، فيدرك من ذلك –إن انتبه له-أن وجوده متضائل جدًا ويكاد لا يذكر بل يعتبر عدمًا أمام الوجود الحقيقي الذي هو وجود الله سبحانه وتعالى.

هذا المعنى إن فهم يتواضع الإنسان أمام ربه، ويدرك أنه في وجوده على الأرض خليفة عن الله، لا يملك الكون من حوله وبالتالي لا يتعامل مع المخلوقات إلا بالطريقة التي شرعها الله له، فلا يفسد في الأرض ولا يدمر البيئة كما دمرتها الحضارة الغافلة عن الله. وتكون صلته بربه وبالمخلوقات من حوله صلة العبد المتواضع الذي يخدم في ملك سيده طمعًا في أن ينال رضا هذا السيد فيستأمنه السيد على خزائنه الحسية والمعنوية، ويقربه إليه ويعرفه عليه، وبالتالي يحقق المقصود من خلقه وهو معرفة الله والعلم به. وبهذا يتضح لنا معنى الآية {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}

للأسف غابت عنا هذه المعاني لأننا لم نأخذ فرصة تعلم الدين بالطريقة الصحيحة، وتأثرنا بالفلاسفة الفاقدين للمعنى الذين شبهوا الإنسان بحشرة صغيرة تقف على ذرة رمل صغيرة في صحراء ضخمة، وبالتالي لا يعقل أن تكون هذه النملة هي المقصودة من وجود الصحراء. وهذا الفهم السيء ناتج كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من انشغال الإنسان بالماديات وغفلته عن المعاني. وأختم المقال بمقولته رضي الله عنه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد في كلامه عن المعاني الرمزية التي تعين الإنسان على عبودية الله حيث اعتبر أن وجود المعاني الرمزية هي تلطُّف من الله سبحانه وتعالى بقلوبنا إذ جعل لنا في العالم الحسي ما يدلنا على المعاني الإلهية، وأن سبب غفلتنا عن هذه المعاني هو انشغالنا الزائد بالمحسوسات والأجسام؛ قال رضي الله عنه:

«فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقها إلى تعظيم الله تعالى، وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظاهر الجوارح والأجسام».

هل الأديان مجرد مرحلة تاريخية؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٨ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

شاهدت حلقة تلفزيونية على قناة فرنسية كانت تناقش قانون ازدراء الأديان في العالم العربي. استضافت الحلقة في داخل الستوديو الأستاذ إسلام بحيري، والأستاذة زينب الغزوي صحفية عربية علمانية مقيمة في فرنسا. وعبر القمر الصناعي كان يشاركهم في الحوار أب لبناني، والدكتور عبد الفتاح العواري من جامعة الأزهر.

في أثناء الحوار، صرحت الأستاذة زينب أن الأديان هي مجرد أفكار أو أيديولوجيات، بالتالي ليست لها قداسة تمنع من نقدها. وقالت للأستاذ بالأزهر أنه لو سافر إلى فرنسا ودخل في نقاشات في علم الاجتماع لعلم أن الأديان هي مجرد مرحلة في تاريخ البشرية. قدمت الصحفية هذا الكلام على أنه هو الحق الذي أثبته العلم. والحقيقة أن هذا الذي طرحته الأستاذة ما هو إلا فكرة مزعومة، من حقنا أن نناقشها ونرفضها تمامًا إن أثبتنا أنها لا تقوم على أسس سليمة.

فكرة أن الأديان هي مرحلة تمر بها المجتمعات البشرية ترجع في تأصيلها إلى الفيلسوف الفرنسي أوغوست كومت الذي يعتبر رائد علم الاجتماع الحديث. كومت كان يرى أن هناك مراحل ثلاث يمر بها المجتمع الإنساني: المرحلة اللاهوتية(The Theological Stage)، ثم المرحلة المتافيزيقية(The Metaphysical Stage)، ثم المرحلة الإثباتية(The Positivist Stage). هذا التنظير مبني على عدة تطورات في الفكر الأوروبي لا يسعني أن أناقشها الآن لكن يسعني أن أقول أنها تفترض كون الأديان ليست حقائق. ذلك لأن فلاسفة أوروبا في عصر التنوير لم ينجحوا في توفير أدلة يقينية على وجود الخالق وصحة المعتقد الديني، وبالتالي اعتبروا الدين دعوى مثلها مثل أي دعوى أخرى، إن لم توفر دليلًا على صحتها فإنها تصبح مجرد فكرة يقبلها من يقبلها ويرفضها من يرفضها ليست لها مزية على غيرها. ثم تطورت الفكرة إلى أن أصبح الدين – في نظرهم – مجرد ظاهرة اجتماعية قبلتها المجتمعات لفترة معينة نظرًا لحاجات لديها لتفسير الكون، ثم مع التطور العلمي اختفت هذه الحاجات ولم تصبح للبشرية حاجة إلى الأديان فانتقلت البشرية إلى المراحل التالية للمرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الإثباتية التي لا تؤمن إلا بما تثبته التجربة العلمية الحديثة.

إذا نظرنا إلى هذا العرض الموجز لكيفية الوصول إلى فكرة كون الأديان مرحلة تاريخية، نجد أن هذا الصرح الفكري يقف على أساس أصلي وهو عدم وجود دليل على صحة الأديان، وبالتالي إن انهدم الأساس الأصلي انهدم معه الصرح. ونجد أن من يطالبنا بتقبل فكرة أن الأديان ما هي إلا مرحلة تاريخية يطالبنا أن نوافق ضمنيًّا على فلسفة كومت، وعلى فلسفة أستاذه سان-سيمون، وعلى فلسفة كانط من قبلهما، وعلى فلسفة هيوم وديكارت من قبله.

هؤلاء الفلاسفة الكبار يقدَّمون إلينا على أنهم مفكرون مقدسون لا يتأتى إلينا أن نراجعهم أو نراجع أفكارهم، وإلا ألصقت بنا اتهامات مباشرة بالجمود والرجعية ومعاداة تقدم البشرية. العجيب أن التيار الذي يقدم هذه الأفكار على أنها هي المسار الذي لا بديل له ويعتبر أفكار فلاسفة التنوير حقائق عليا تسمو على النقد هو نفسه التيار الذي ينتقد من يعامل أفكار الشافعي والغزالي وابن عربي نفس المعاملة وإن كنت أرى أن من يتبع الشافعي والغزالي وابن عربي أكثر اتساقًا مع نفسه. ذلك لأنه لا ينكر أنه تابع لغيره، أما من يقدسون فلاسفة التنوير فهم مع تقديسهم لبعض الأفكار يوهمون أنفسهم أنهم متحررون لا يتبعون إلا عقولهم.

قال لي أستاذي في الفلسفة يومًا أنه لا تقليد في العقليات، وأننا في المسائل الفلسفية لا نتبع إلا الدليل، ولا نأخذ برأي الغزالي لأنه الغزالي لكن نأخذ برأيه لأنه صائب. وأنا أدعو أصحاب التيار التنويري إلى نقاش فلسفي حقيقي، لا يسلِّم لأفكار فلاسفة بأعينهم بل يتبع الدليل أينما كان، وتكون فيه مناقشة أصول المسائل الفكرية تحت قانون واحد فقط هو المنطق.

أنا لا أؤمن أن الأديان مجرد مرحلة تاريخية لسببين: السبب الأول هو أنني أمتلك أدلة عقلية يقينية على صحة المتقدات الدينية، والسبب الثاني هو أنني لا آخذ كلام أوغوست كومت على أنه مسلَّم، كذلك كلام هيغل وكانط وديكارت. هؤلاء جميعًا بالنسبة لي بشر ليسوا معصومين مهما كانت مكانتهم الفكرية والتاريخية.

هل في الإسلام ما يسمَّى بعالم دين؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٨ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

المتابع للنقاشات الدائرة حول الخطاب الديني اليوم يدرك أن أحد الأسئلة الرئيسية اليوم هي: هل الدين العلم؟ وهل يوجد في الإسلام ما يسمى بعالم الدين؟ هذه النقاشات مع أهميتها، تفتقر في رأيي إلى شيء أساسي في النقاش الفكري، وهو تحرير المصطلحات، بمعنى أن يوضح كل طرف ما الذي يقصده بكلمة الدين وما الذي يقصده بكلمة العلم.

أذكر أنني حضرت خطبة جمعة ذات مرة قال فيها الخطيب أن بعض الناس يهينون الإنسان عندما يصفونه بأنه حيوان ناطق، فقد جعلوا الإنسان حيوانًا وهذا يعتبر إهانة. وفي الحقيقة دارس المنطق والفلسفة يعرف أن وصف الإنسان بالحيوان هنا ليس بالإهانة، لكن الذي لا يدرس المنطق قد يعتقد أنه إهانة. المقصود بالحيوان هنا: جسم نامي متحرك بالإرادة. هذا الوصف ينطبق على الإنسان وعلى الكثير من المخلوقات الأخرى مثل الحصان، والأسد، والفيل، والقطة. المشترك بين كل هذه المخلوقات هو أنها كلها أجسام قابلة للنمو وقابلة لأن تتحرك بإرادتها وليس بتحريك محرك. فالتفاحة وإن كانت جسمًا ناميًا، فإنها ليست لديها القدرة على التحرك بالإرادة وتحتاج لأن تتحرك إلى قوة تحركها فلا تكون حيوانًا. وعلى هذا التعريف للحيوان، لا يكون وصف الإنسان بالحيوان إهانة بل يكون وصفًا دقيقًا مفيدًا في النقاشات التي تهتم بمعرفة حقيقة الإنسان، وما يميزه عن غيره من الموجودات. لذلك قالوا أنه يشارك الحيوانات في كونه جسمًا ناميًا متحركًا بالإرادة لكنه يخالفهم في كونه ناطقًا، أي لديه قابلية التفكير المنطقي، فسمَّوه بالناطق.

هذا مثال على أن الإنسان إن لم يفهم معنى الكلمات التي يتكلم عنها أي إن لم يحرر مصطلحاته، ربما يدخل نفسه في صراعات فكرية وهمية نحن في غنًى عنها ولا ينبغي أن نشغل أوقاتنا بها.

لذلك أنا أرى أنه قبل أن نسأل إن كان الدين علمًا ينبغي أن نقول: ماذا نعني بالدين؟ وماذا نعني بالعلم؟ في السطور التالية سأحاول أن أقول ماذا أفهم من كل كلمة من هاتين الكلمتين، وما الإجابة على سؤال “هل الدين علم؟” التي تنبني على هذا الفهم. وهذا التبيين سيكون من خلال علم المنطق، لأن المنطق هو القانون الذي يمنعنا تطبيقه الصحيح من الوقوع في الخطأ في التفكير، كما قال الشيخ عبد الرحمن الأخضري:

وبعد فالمنطق للجَنان * نسبتُهُ كالنحوِ للِّسان

فيعصمُ الأفكار عن غيِّ الخطا * وعن دقيق الفهم يكشف الغِطا

ما هو الدين؟ الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود لما فيه الخير لهم بالذات. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أن الدين نظام وضعه لنا الله سبحانه وتعالى، ليسوق أو ليقود أصحاب العقول السليمة للأمر الذي فيه الخير لهم، وهو معرفة الله سبحانه وتعالى، وجنَّتَه التي وعد بها عباده المتَّبِعين لهذا النظام، الذين وثقوا فيما اختاره الله لهم، وقدَّموا ما يريده الله منهم على ما يريدونه هم، عالمين بأن اختيار الله سبحانه وتعالى لهم هو الخير.

أما بالنسبة للعلم، فهناك معنيان يحضران في ذهني له. الأول: العلم الذي هو صفة للإنسان وعلى أساسه نقول أن الإنسان الفلاني عالم بالشيء الفلاني. فأنا إن علمت أن مصر دولة إفريقية يكون لديَّ علم بهذه المسألة. وهذا العلم له عدة تعريفات من ضمنها أنه: إدراك جازم مطابق للواقع. فأنا عندي إدراك لأن مصر دولة إفريقية، وهذا الإدراك أجزم به، وهذا الجزم الذي لديَّ مطابق للواقع، أي أن معلومتي ليست خاطئة. هذا هو المعنى الأول للعلم. أما المعنى الثاني فهو العلم الذي هو مجال يُدرَس كعلم الفيزياء، أو علم الاقتصاد، أو علم التاريخ. وهذا العلم يكون عبارة عن مجموعة من المسائل بينها قدر مشترك تُدرَس من حيثيته، فمثلاً علم الأحياء وعلم الفيزياء كلاهما يدرس أجسامًا، لكن علم الأحياء يدرسها من حيث كونها حية، وعلم الفيزياء يدرسها من حيث كونها متحركة. لذلك نفصل بين العلمين، لأن المسائل التي يدرسها الأحيائي غير المسائل التي يدرسها الفيزيائي، ومسائل كل علم من هذه العلوم ينبغي أن يكون بينها قدرًا مشتركًا هو موضوع ذلك العلم. إذن، العلم بمعنى المجال الدراسي، هو مجموعة من المسائل بينها قدر مشترك يكون هو الشيء الذي يعتني به هذا العلم، ومثال ذلك الحياة في الأحياء والحركة في الفيزياء.

هل ينطبق أي من هذين المعنيين على المسائل الدينية؟ ما أراه هو أن المعنيين ينطبقان. فالمعنى الأول الذي هو الإدراك الجازم المطابق للواقع ينطبق على المسائل الدينية ولنأخذ مسألةً أصليةً في الدين لا يختلف عليها مسلمَين وهي أن الزكاة مفروضة على المسلمين، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى طلبها مِنَّا طلبًا جازمًا. من عرف أن الزكاة فرض يكون عنده إدراك جازم مطابق للواقع بهذه المسألة وبالتالي ينطبق عليه في هذه المسألة تعريف العلم. كذلك الدين علم بمعنى أنه مجال يُدرَس لأنه مجموعة من المسائل التي بينها قدر مشترك، ففي الفقه مثلًا يكون هذا القدر المشترك هو أفعال المكلَّفين، والمكلَّف هو من يوجه الله إليه الخطاب. هل الفعل الفلاني فرض؟ أم أنه سنة؟ أم أنه جائز؟ أم أنه مكروه؟ أم أنه حرام؟ فأي مسألة ينطبق عليها أنها فعل من أفعال المكلَّفين يتم جمعها في مكان واحد وهو علم الفقه. وفي علم تزكية النفوس يكون القدر المشترك بين المسائل هو أحوال النفس الإنسانية وكيفية صدور التصرفات عنها، فتجمَّع المسائل المتعلقة بهذا الموضوع في مكان واحد ويكون هذا المكان علمًا اسمه علم تزكية الأنفس. بالتالي، ينطبق العلم بمعنى المجال الذي يُدرَس على المسائل الدينية.

وهنا يبقى سؤال: هل يوجد إنسان متخصص في العلوم الدينية ويسمَّى عالم دين؟ رأيي أن الإجابة نعم، لأنه ليست كل المسائل الدينية معلومة لكل إنسان، بل فيها ما يحتاج إلى بحث. فأنا لو سألت شخصًا لم يبحث في العلوم الدينية من قبل هذا السؤال: رجل وامرأة غير مسلمين، تزوجا قبل دخولهما في الإسلام ثم أسلما، هل يكون هذا الزواج صحيحًا أم لا؟ ربما يقول إنسان أن هذا الزواج غير صحيح لأن الزواج في الإسلام يُشترط فيه العقد والشهود والإشهار وما إلى ذلك، ويقول آخر أن هذا الزواج صحيح لأن الله سبحانه وتعالى اعترف بزواج أبي لهب من زوجته في قوله تعالى {وامرأته حمالة الحطب}. من المؤكد أنه لا يمكن أن يكون هذان الرأيان صائبان بل ينبغي أن يكون أحدهما صحيحًا والآخر فاسدًا، فيضطر الإنسان إلى النظر في المزيد من النصوص الشرعية ويبحث فيها حتى يجد جوابًا سالمًا من التناقض. هذا في مسألة واحدة من مسائل الدين، والإنسان في حياته يتعرض إلى مئات المسائل الدينية التي يحتاج لأن يعرف حكمَ الله فيها. هذا الإنسان إن فرَّغ حياته لهذا النوع من البحث، بالتالي يكون عنده علم في هذه المسائل أكثر مِن مَن لم يبحث في هذه المسائل أصلًا، فيصح أن نقول أن الإنسان (أ) أعلم من الإنسان (ب) في المسائل الفقهية، ويكون (أ) عالما ويكون (ب) غير عالم وسيحتاج إلى الرجوع لمن هو أعلم منه إلا إن قرر أن يتخصص هو الآخر.

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بنا أنه لم يفرض على كل واحد منا أن يبحث هو في المسائل الدينية. بل تركنا ننشغل بتدبير أمور معيشتنا وأجاز لنا الرجوع إلى المتخصصين بشرط أن نجتهد قدر الإمكان في التأكد أن هذا المتخصص هو متخصص بالفعل، وأنه لن يغشنا في حكم الله. ولا يعني ذلك أن المتخصص وصي علينا في الدين، فإن العلماء يقولون أن الفتوى غير ملزمة. فنحن نستشير المفتي ونسأله عن حكم الله في المسألة الفلانية، أما أفعالنا فهي بيننا وبين الله لا دخل للمفتي بها. كذلك تخصص المفتي في العلوم الدينية لا يجعله أفضل من الإنسان العادي، فتفاضل البشر بين بعضهم البعض إنما يكون بالتقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، والتقوى أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله وبعض عباده الذين ارتضاهم لذلك {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا * إلا من ارتضى من رسول}.

ورأيي أن من يجعل العلم هو العلم التجريبي فقط فإنه يناقض نفسه. فهو الآن يطرح علينا معلومة وهي أن العلم التجريبي هو وحده ما يطلق عليه علم، فهل هذه المعلومة نتيجة علم تجريبي؟ هل أجرى هو تجربة فأفادته أن هذا هو العلم الوحيد أم أن هذه المعلومة ليست تجريبية؟ فإن لم تكن هذه المعلومة تجريبية لا ينبغي له أن يصدقها لأنه يصدق فقط ما هو تجريبي! فيكون هذا الرأي هادمًا لنفسه.

هذا رأيي في المسألة، وأرى أني قدمت دليلًا عليه، وأرحب بالنقد العلمي له وليس النقد المبني على العاطفة والمغالطات، واستدعاء النماذج المنفرة من علماء الدين، فكون بعض من اشتغلوا بالعلم الدين منفرين لا يعني أنه ليس بعلم، كما أنه ليس معنى أن الفيزياء أنتجت لنا القنبلة النووية أنها ليست علمًا. نحن في منطقتنا نفتقر إلى النقاش الفلسفي الحقيقي المبني على الأدلة المنطقية، ونحن إن شاء الله نرحب بكل نقاش يتصف بهذه الأوصاف ولا نضع للمواضيع المناقَشة سقفًا.