مدونة السعة

Category: إلحاد

هل يهدد العلم التجريبي الإيمان بالله؟

 البسملة

     تدعي نوعية من الملحدين الذين قابلتهم أن العلم قد فضح إدعاءات الأديان، و أن حقيقة عدم وجود إله لا تختلف عن أي حقيقة توصل العلم إليها، و أن ساعة من التفكير الجاد لن تؤدي بصاحبها إلا إلي الإلحاد. و الحقيقة أنه كما حاول البعض لي أعناق النصوص الدينية ليبرهن علي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، هناك من يحاول لي أعناق العلم ليبرهن به علي عدم وجود الإله، في ظاهرة سماها الحبيب علي الجفري بالإعجاز العلمي في الإلحاد.

صورة من الإنترنت.

صورة من الإنترنت.

     هذه التدوينة ليست محاولة لإثبات وجود الله بالعلم. فأنا لست متخصصا بالعلم و لست علي إطلاع كاف علي النظريات العلمية المختلفة. كما أنني لا أعتقد أن العلم المادي هو السبيل الذي يعرف به وجود الله، حتي و إن كان هناك في عالم المحسوسات ما يدل علي تصميم دقيق. إنما هي محاولة كشف زيف ما يحاول الملحدون تصويره علي أنه حقيقة، الأمر الذي قد يسبب خللا في ثقة بعض المتدينين بدينهم.

     قرأت بحثا أجراه باحثون في جامعة ميتشيغان الأمريكية عن أثر مجال الدراسة علي الإيمان، و علي ممارسة الشعائر الدينية. الباحثون انطلقوا من فكرة أن النظرة العلمية، و النظرة التنموية، و نظرة ما بعد الحداثة للعالم كلها يؤدي إلي فقدان الإيمان بالله. فالأولي تكشف دقائق العالم المحسوس و تشرح كيفية الخلق بما يغني عن اللجوء للدين، و الثانية تزيد من تركيز الإنسان علي الجوانب العملية للحياة علي حساب الجوانب الغيبية، و الثالثة تعطي الإنسان إنطباعا بأن كل شئ نسبي، فبالتالي ما أتي به الدين عن تشريعات، و عن الأخلاق هو أمر نسبي يتغير بتغير الزمان و المكان. و اعتبر الباحثون أن النظرة العلمية تُمَثَّل في مجالات العلوم التجريبية، و النظرة التنموية تُمَثَّل في مجالات إدارة الأعمال و الأموال، و نظرة ما بعد الحداثة تُمَثَّل في مجالات العلوم الإجتماعية.

     دون الخوض في تفاصيل البحث، توصل الباحثون إلي أن دراسة العلوم الإدارية و المالية لا تؤثر علي الإيمان، لكنها تؤثر إيجابيا علي الممارسات الدينية و حضور الشعائر. و توصلوا إلي أن دراسة العلوم التجريبية ليست لها أثر يذكر علي الإيمان. أما دراسة العلوم الإجتماعية فلها تأثير سلبي علي الإيمان، بسبب ما تعطيه من إنطباع أن أمور العقائد و التشريعات و الأخلاق هي نسبية. جدير بالذكر أن العلوم الإجتماعية عندما تتعرض لدراسة الدين، لا تهتم بدراسة محتويات الأديان بقدر ما تركز علي بعض الجوانب الإجتماعية فيه، و هو خلل منهجي لا يخفي علي أصحاب البصائر خاصة الدارس منهم للعلوم الدينية.

     و يؤيد الرأي بأن العلم لا يؤثر سلبا علي الإيمان دراسة أجراها باحثون من عدة جامعات في أمريكية عن الإعتقاد الديني لدي العلماء التجريبيين في أفضل الجامعات. كانت نتيجة الدراسة أن نصف العلماء التجريبيين يؤمن بالأديان و النصف الآخر لا يؤمن بها، إلا أن أكثر من ٨٠ بالمائة من العلماء الغير مؤمنين اختاروا عدم الإيمان قبل سن السادسة عشر من عمرهم، أي أنهم تركوا الإيمان قبل دراستهم الرسمية للعلوم التجريبية، مما يضعف حجة أن العلم كان سبب تركهم له. لكنهم أقبلوا علي العلم برؤية مسبقة، و العجيب أن نسبة العلماء التجريبيين المعادين للدين لا تتعدي ١٢ بالمائة في أقصي تقدير. و هذه النتائج تؤيد ما قاله الشيخ علي جمعة عن أن كل منا يُقبِل علي عالم المحسوسات بنظرته، فالمؤمن يراه من عجائب قدرة الله، و غير المؤمن يُحجب بمعرفة تفاصيل الكون عن الأسباب و الحكم من ورائة. و يبقي الفيصل بينهم هو الدليل العقلي المجرد، الذي هو الأصل عند المسلمين في الإستدلال علي وجود الله.

     و هذا الرأي لا ينفرد به المتدينون الذين يدافعون عن دينهم. فالفيزيائي بيتر هيغز الحاصل علي جائزة نوبل يقول أنه ملحد بسبب خلفيته العائلية، و أنه لا يري إستحالة الجمع بين الإيمان و نتائج العلم التجريبي، بل و يصف ريتشارد دوكنز بأنه إنسان يهاجم المتطرفين بالرغم من كونه هو أيضا متطرف. و عن ريتشارد دوكنز، يقول الفيلسوف التطوري مايكل روس أنه يشعر بالخجل من كونه ملحد عندما يتعرض لأفكاره. و فرانسيس كولينز رئيس مشروع الجينوم البشري و الذي آمن في سن السابعة و العشرين يقول أن العلم التجريبي له حدود، و أنه لا يستطيع أن يجيب عن الأسئلة المعنية بالله، و بالمعني وراء الحياة. و يؤيده في ذلك الفيزيائي و الروائي الملحد آلان لايتمان و الذي يدرّس بمعهد ماستشوستس للتكنولوجيا (إم.آي.تي). و من الملحدين أيضا هاجم الفيزيائيُّ و الفيلسوف ديفيد ألبرت الفيزيائيَّ الملحد لورينس كراوس بأن محاولة رفضه للأديان لأنها فكرة غبية و تخالف العلم هي فكرة سخيفة و مثيرة للشفقة. فهل يترك ذلك مجالا للسفهاء من الملحدين الذين يدعون أن العلم هدم الإيمان، و أن كل مؤمن جاهل بالضرورة؟

     هذه الآراء كلها آراء حيادية، لا تنتصر للدين بقدر ما تدفع الإفتراءات عنه. لكن هناك مدرسة اسمها مدرسة التصميم الذكي لها إنتشار واسع الآن في الجامعات الغربية لكنها مضطهدة، بل و تم إستبعاد من ينشر أبحاثهم في المجلات العلمية، و لمن أراد أن يستزيد أن يشاهد الفِلم الوثائقي “المطرودون”. و قد أصدر أصحاب هذه المدرسة بيانا لرفض بعض تفاصيل الداروينية وقع عليه أكثر من ٥٠٠ عالم تجريبي فضلا عن الرياضيين و المهندسين و فلاسفة العلوم. و في مثل هذا الجهد فليشارك المسلمون، و لكن لن يكون لعملهم جدوي إن لم يتقنوا العلوم التجريبية إتقانا تاما، و كذلك العلوم العقلية الإسلامية، حتي يكون إصدارهم إضافة جديدة للعلوم، و مشاركة للإنسانية في إبراز المعارف، و إخراجا للعلوم من أسر الفلسفات المادية. و الله المستعان.

إيمان آنتوني فلو: دعوة للعودة إلي التراث

608px-Basmala.svg

   قال لي أحد الأصدقاء يوما أنه مؤمن بأن قصة حياتي ستكون مثيرة للإهتمام عندما أحكيها لأولادي. أعتقد أنه مصيب في إعتقاده (إن مد الله في عمري و رزقني بالأولاد)، إليكم الأسباب. طالما تمنيت أن أكون طبيبا إنسانا متمكنا، إقتداء بالوالد حفظه الله. و قد صاحبني هذا التمني طوال سنوات دراستي المدرسية إلا في فترة زاد فيها هوسي بالنادي الأهلي، تمنيت خلالها أن أصبح ناقدا رياضيا، عدت بعدها إلي صوابي سريعا. و عندما حان موعد إختيار التخصص الجامعي، اخترت دراسة هندسة الميكانيكا بالجامعة الأمريكية. لم تمض السنة الأولي إلا و قد إنتقلت إلي قسم الكمبيوتر، قبل أن أنتقل إلي قسم الإقتصاد رغبة في أن يكون لي دور في القضاء علي الفقر في البلاد، من خلال المشاركة الرسمية في السياسة!

   و في السنة الآخيرة من دراستي، تعرضت لدراسة المنطق الصوري و أصول الفقه علي يد علماء أزهريين، بعد عام من صحبة سيدي الشيخ محمد أكرم عقيل مظهر -رحمه الله و رفع درجاته- تيقنت بعدها أن العلوم الشرعية سيكون لها دور كبير في حياتي، خاصة و أني قد زاد إهتمامي في الفترة الأخيرة بالقضايا الفكرية و خاصة ظاهرة الإلحاد. أخيرا، تُوجت مرحلة التقلبات بأن تشرفت بالخدمة في مؤسسة تعمل علي إعادة تأهيل الخطاب الإسلامي.

   الشاهد في رحلتي أني مررت بكثير من المراحل و التقلبات في حياتي، كانت لكل مرحلة منها دور في تكويني الفكري. و المرحلة التي أمر بها الآن هي الأخطر إذ أني عدت إلي أصل الأفكار التي طالما شغلتني، و هي الأسئلة الكبري المتعلقة بالدين و الفلسفة. بدأت قبل أيام القراءة في متن (كتاب مختصر) في علم الكلام، و هو العلم المعني بالأدلة العقلية علي العقائد الإسلامية. تزامن ذلك مع قراءتي لكتاب طالما وددت أن أقرأه لكني تأخرت في شرائه، و هو “هناك رب” للفيلسوف الإنكليزي آنتوني فلو، و الذي وجدته في مكتبة المؤسسة التي أخدم بها فعكفت علي القراءة فيه بعد إنتهاء ساعات العمل و لمدة أربعة أيام، كانت لها أثر كبير في نظرتي للتراث الذي لم أنتقص منه يوما، بل دائما ما دعوت إلي العودة إليه (مع جهلي الكبير به).

   كان تعرفي علي كتاب فلو من خلال متابعتي لبرنامج “رحلة اليقين” للداعية الأستاذ معز مسعود عام ٢٠١٢. بدا لي حينها أنه من المؤكد أنه كتاب مفيد، و أنه عليّ أن أقرأه في يوم من الأيام علي سبيل زيادة اليقين، لكن الحاجة لم تكن ملحة. ثم جاء برنامج “لحظة سكون” للحبيب علي الجفري و شدد الحبيب علي أهمية الكتاب في أكثر من حلقة جعلتني أشعر بأنه هناك شئ من المبالغة في أهمية الكتاب، إذ أنه لو كانت به الإجابات عن الأسئلة و التشككات الملحة لكان أكثر إنتشارا بين الناس، و لكان وضع حدا للإنتشار السرطاني لظاهرة الإلحاد التي تعصف بالمنطقة.

   يبدأ فلو كتابه بسرد قصة إلحاده، و التي بدأت مع عدم شعوره بالعلاقة الشخصية مع الله التي كان والده الداعية المسيحي يحدثه عنها، ثم تحولت إلي شعور بعدم وجود الله إذ أن وجود الشر في العالم لا يتسق مع وجود الإله المحب الذي لا يرضي لنا إلا ما يسعدنا، و الذي لا يتدخل لإنهاء الشر في العالم و بذلك إما أن يكون غير قادرا أو غير محبا. لم يجد فلو حرجا في أن يصرح بأن توصله إلي عدم وجود إله غلبت عليه السرعة و السهولة، و أنه كان للأسباب الخاطئة كما بدا له لاحقا*. و في هذه العبارة فائدتين. الأولي أننا نتعجب ممن بني صيته و نجاحه طوال سبعة عقود علي فكر ثم يعترف بخطئه أمام جمهوره، و أمام معارضيه الفكريين الذين شاركوه حلبات المناظرة. ما هذه الجرأة، و ما هذا الحق الذي لا يحتمل التراجع الذي جعله يقول بمرأي و مسمع من العالم: كنت مخطئا، و كان الصواب في صفكم! الفائدة الثانية هنا للشباب الذي تسرع لإتخاذ موقفه من وجود الإله، و الذي يفخر بأن قرار الإلحاد كان نتيجة “لحظة” من التفكير الجاد كما يزعمون، ألا يستدعي ذلك منكم وقفة مع النفس قبل التسرع لإتخاذ ذلك الحكم؟ خاصة و أن الدرس قد جاء من رجل أفني عمره فيما أنتم مقبلون عليه و ليس ممن أخذوا دينهم بالوراثة، أو يدافعون عنه من أجل الإرتزاق كما تزعمون!

بعد سبعين عاما من الإلحاد، و التتويج كأحد أشرس ملحدي القرن العشرين، آنتوني فلو يتراجع عن إلحاده

بعد سبعين عاما من الإلحاد، و التتويج كأحد أشرس ملحدي القرن .العشرين، آنتوني فلو يتراجع عن إلحاده. الصورة من الإنترنت

   يستأنف فلو كتابه بذكره الأسئلة التي دعته لإعادة تقييم موقفه و هي: (١) خضوع الطبيعة لقوانين، (٢) وجود الحياة و دقة تصميم الكون، (٣) وجود الطبيعة. بعد البحث في تلك الأسئلة، تبين له سخافة القول بأن الكون جاء صدفة و أنه لا حاجة لإله. و تعرض لإستغلال الملحدين لأقوال بعض العلماء لإثبات دعواهم، هذه الوسيلة التي سماها الحبيب علي الجفري “الإعجاز العلمي للإلحاد” و هي محاولة كاذبة لتصوير أن العلم الحديث هدم فكرة الإله. علي سبيل المثال نقل فلو بعض المقولات لأينشتاين و التي تؤكد أنه ليس ملحدا كما زعم البعض، بل توضح أنه مؤمن بروح صممت هذا الكون و أن هذا الإيمان يشبه إيمان المتدينين (أي في قوته، و ليس نوعه). ينقل فلو أيضا كلام الفيزيائي إروين شرودينغر (من رواد فيزياء الكم في العالم) عن أن هناك مفاهيم لا يستطيع العلم أن يصفها كحَمار الأحمر، و زَراق الأزرق، و الطعم الحلو، و الطعم المر، و السعادة، و الحزن، و الجمال، و القبح، و كذلك الإله و الخلود.و يضيف شرودينغر أن العلم يصطنع الإجابات عن تلك الأسئلة لكنها غالبا ما تكون سخيفة و لا يؤبه بها. كذلك ينقل عن الفيزيائي بول ديفيز كلامه عن التصميم البديع لقوانين الطبيعة و التي تبدو و كأنها صممت خصيصا من أجل وجود حياة علي الأرض، إذ أن أدق تغيير في تركيبة الأرض الفيزيائية يمنع وجود حياة عليها بل و قد يؤدي إلي إنفجار الأرض لحظة نشأتها**. و المنقولات من الفيزياء أوسع من نطاق هذه التدوينة. و يظهر فلو إستعجابه من قول بعضهم بأن دقة الكون ترجع لوجود عدد لامتناهي من الأكوان في أبعاد زمانية و مكانية مختلفة فلذلك وجب أن يخرج واحدا منهم بهذه التركيبة الفريدة المؤهلة لوجود الحياة، مع العلم أنه كما لا يوجد دليل تجريبي علي وجود الله، فلا يوجد دليل علي وجود أكوان غير الكون الذي نعيش فيه. مفاد ذلك أن الملحدين يرون أن إحتمالية وجود ثلاث مائة ترليون كون غير الذي نعيش فيه (هذا الرقم أقل من الذي يفترضونه) أرجح من إحتمالية وجود إله خالق لهذا الكون. ذلك مع العلم أن وجود أكوان لا متناهية كما يزعمون لا يفسر وجود قوانين تحكم الطبيعة. ثم يأتي ريتشارد دوكنز و يقول أن خيار الإله أكثر تعقيدا من الخيارات الأخري المتوفرة لدينا***. أما عن نشأة الحياة فيقول فلو أن النظريات التي وضعها علماء الأحياء لتفسير تطور المخلوقات من خلايا بسيطة إلي الصورة التي نراها عليها الآن هي متسقة مع الإكتشافات العلمية الأحيائية، إلا أن الزمن الذي تحتاجه تلك العملية التطورية هو أطول من عُمْر الكون الذي توصل إليه علماء الفيزياء، فمتي تطورت هذه الكائنات؟**** كذلك أشار إلي تركيبات في الحمض النووي يستحيل أن تكون وليدة للصدفة. و أخيرا تطرق فلو لقضية بداية الكون، و التي اعتقَد سابقا إلي أنها لم تكن، إذ أن الكون أزلي. لكن الفيزياء جاءت لنا بنظرية الإنفجار الكوني العظيم التي سببت حرجا له و لغيره من الملحدين، مما دعاه إلي التساؤل: من أين جاءت البداية؟ حينها لجأ فلو إلي الحجة الكونية، و هي حجة فلسفية عقلية لا علمية تجريبية لمعرفة سبب الإنفجار و نشأة الكون، إذ أن الحجة العلمية التجريبية تقتضي قانونا، و القانون هنا سيكون أن العدم يؤدي إلي نشأة الكون، و أن هذه التجرية ستؤدي إلي نفس النتيجة كل مرة، و هو أمر غير معقول. رأي فلو أن ما يرجحه العقل هو وجود إله خالق لهذا الكون. و بذلك توصل فلو إلي أنه هناك خالق واجب الوجود، عالم، قادر، مخالف للحوادث، و هي أربع من أصل عشرين صفة أوجبها علماء الكلام لله سبحانه تعالي.

   يتبقي لنا الآن السبب الأول لإلحاد فلو و هو معضلة الشر، و الذي سبق و أشرت إلي تعبير فلو عنه بالسبب الخاطئ. يرجع بنا فلو إليه في الصفحة التي تسبق الصفحة قبل الأخيرة من الكتاب بقوله أنه فلسفيا، هذه قضية مختلفة عن قضية وجود الله التي نتوصل إليها من التأمل في الطبيعة، إذ أن وجود الله لا يعتمد علي وجود الشر. و هنا أشير إلي أهمية علم المنطق و الذي تثبت تطورات الأفكار في العالم يوما بعد يوم إلي حاجة العالم إيه. فالمنطق تعريفا هو علم تعصم مراعاته صاحبه من الوقوع في الخطأ. و من الأخطاء المنطقية التي نعاني منها اليوم القفز. بمعني أننا نقفز إلي نتيجة دون أن نمتلك مقدماتها، و مما لا يخفي عليكم أن النتيجة المنطقية تحتاج إلي مقدمتين و إليكم مثالا:

مقدمة أولي: زيد مصري

مقدمة ثانية: كل مصري إفريقي

نتيجة: زيد إفريقي

هنا لا يختلف عاقلان أنه إذا اتفقنا علي المقدمتين، فعلينا قطعا أن نحكم بالنتيجة المتوصل إليها. أما إذا اختلفنا لجهل واحد منا بأن مصر تقع في إفريقيا، فقد نختلف حتي يتبين خطأ المخطئ. إذن فالوصول إلي نتيجة يحتاج إلي الإتفاق علي المقدمات.إذن لو جاء أحد الناس فقال: عمرو عربي (أي أن لغته الأم هي العربية) لأنه مغربيا، وجب علينا أن نضع المقولة تحت ميزان المنطق حتي لو بدت لنا من البديهيات، و إذا وضعناها علي المنطق بدت كالآتي:

مقدمة أولي: عمرو مغربي

مقدمة ثانية: كل مغربي عربي

نتيجة: عمرو عربي

إذا تأملنا المقولة وجدنا بها خللا منطقيا، إذ أن القائل قفز من المقدمة الأولي إلي النتيجة دون أن يضع في حسبانه أن المقدمة الثانية قد تكون باطلة و ذلك لأن الأمازيغي مثلا مغربي لكنه ليس عربي. و هذا هو بالضبط ما وقع فيه الملحد بسبب الشر. و الخلل المنطقي هنا في معضلة الشر واضح جلي. الملحد يقدم لنا معضلة الشر كالآتي:

مقدمة أولي: الشر موجود

مقدمة ثانية: الله لا يحب الشر لنا

نتيجة: الله غير موجود

و هنا يذكر فلو أنه لدينا خيارين لتفسير وجود الشر: الأول أن الله لا يتدخل في شئون الحياة إنما خلق الكون و تركه و لم يتواصل معه، و الثاني أن الله خلق الكون و جعل الإنسان المخيّر تؤدي به أفعاله إلي الشر، و كلاهما لا يتعارض مع وجوده. و أضيف أنه في عقيدة المسلمين عاملَين مهمين: الأول أن الدنيا محل إختبار و الآخرة محل حساب، فالمتسبب في الشر في الدنيا يعاقب في الآخرة، و المصاب بالشر له ثوابه. الآخر أننا نعتقد أن الله كما أنه رحيم فإنه ملك، يفعل في ملكه ما يشاء، و له حكمته في صنعه و لا يحتاج في إنفاذ أمره و هو العليم الخبير لإدراك عقولنا القاصرة، إذ أننا قد سلمنا سابقا لوجوده بالدليل العقلي الذي لا يدع مجالا للشك. بعدما تبين لنا ذلك لنا أن نعرض نعرض قضية معضلة الشر ثانية:

مقدمة أولي: الشر موجود

اقدمة الثانية: الله لا يحب الشر لنا

مقدمة الثالثة: وجود الله ثابت بالدليل العقلي

مقدمة الرابعة: العدل سيتحقق في الآخرة و هي محل الحياة الأبدية

مقدمة الخامسة: الله -بخلاف عقولنا- له العلم الكامل

نتيجة: الله غير موجود

بعدما وضحنا، أصبح من السخيف أن يعرض أحدهم أمامنا تلك المقدمات الخمس، ثم يقول لنا: ألا ترون أن تلك المقدمات تستدعي عدم وجود إله خالق للكون؟ و للأسف، رغم وضوح هذه السخافة يقع فيها الكثير من الخلق عبر التاريخ فيلحدون، أو يتشككون في دينهم و يتحيرون ثم يجدون الإجابة في أبسط ما يكون. وحتي تكون قضيته صحيحة لدي أهل المنطق كان عليه أن يقول:

مقدمة أولي: الشر موجود

مقدمة ثانية: الله لا يحب الشر لنا

مقدمة ثالثة: الله يجب أن يكون قادرا

مقدمة ثالثة: عدم حب الله الشر لنا يقتضي عدم إرادته

نتيجة أولي: الشر يقع مع عدم إرادة الله له

نتيجة ثانية: الله غير قادر

نتيجة ثالثة: الله غير موجود

هنا نلاحظ التفرقة بين إرادة الله، و حبه للشر. إذ أن المقدمة الثالثة باطلة، لأن الخير و الشر المطلق لا يعرف إلا بعلم كلي، و واقعة شر معينة لا تقتضي الشر المطلق إذ أننا دائما ما نواجه أمورا تحزننا ثم يمر الزمان و نستوعب أنها كانت من التدبير الإلهي لخير أكبر من الخير الذي فاتنا سواء كان في الدنيا أو الآخرة، و هذا هو مقتضي العدل الإلهي و هو مبحث مختلف. لذلك قد يريد الله ما نراه شرا و لا يتعارض ذلك مع ألوهيته. و بفساد المقدمة الثالثة تفسد النتائج الثلاث و الله تعالي أعلم.

   هنا ينتهي الكلام عن أهمية الكتاب كمحتوي علمي و أشرع في أهميته بالنسبة للمسلمين. تسببت مواضيع هذا الكتاب في دفعة ثقة لديّ ليست بالدين، بل بالتراث الديني. إطلاعي علي قضايا الإلحاد المعاصر لم يكن من خلال كتب منظريهم بل من خلال عشرات الشباب الملحدين الذين التقيت بهم. كان بداخلي شعور أنه من المستحيل أن يكون الإلحاد، ذلك الفكر الشائع في الحضارة الحديثة بالهشاشة التي يعرضها هؤلاء الشباب. كان عندي تخوف من مطالعة كتبهم فأري قضايا لم يسبق لي التفكير فيها لكني لم أجد ذلك في حديث فلو عن إلحاده و إلحاد أقرانه، ذلك مع القيمة الإلحادية التي كان يمثلها فلو طوال النصف الثاني من القرن العشرين. العجيب أن قضاياهم بأجمعها قد ناقشها القرآن من باب الإخبار، و إستخدم الأدلة العقلية في بعضها، و ناقش علماء الكلام تفاصيلها العقلية و المنطقية عبر القرون مع إختلاف التمثيل (ضرب المثل من الواقع المعيش) بما يناسب كل عصر. فقد قال سبحانه و تعالي {سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق}، و قال {صنع الله الذي أتقن كل شئ}، و قال {ما تري في خلق الرحمن من تفاوت}، و قال {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله علي كل شئ قدير}، و قال علي لسان سيدنا إبراهيم متحديا النمرود بقوانين الطبيعة {فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}. 

صورة من الإنترنت

صورة من الإنترنت

   و في تبسيط معاني العقيدة و إثبات وجود الخالق قال صاحب جوهرة التوحيد و هي أبيات تدرّس للمبتدئ في علم الكلام، بسيطة يسهل حفظها علي الأطفال الذين يتعلمون مبادئ دينهم:

إذ كل من قلد في التوحيدِ * إيمانه لم يخلُ من ترديدِ

ففيه بعض القوم يحكي الخُلفا * و بعضهم حقق فيه الكشفا

فقال إن يجزم بقول الغيرِ * كفي و إلا لم يزل في الضَيرِ

و اجزم بأن أولا مما يجب * معرفةٌ و فيه خُلفٌ منتصب

فانظر إلي نفسك ثم انتقلِ * للعالَم العلويّ ثم السفلي

تجد به صنعا بديع الحِكمِ * لكن به قام دليل العدمِ

و كل من جاز عليه العدمُ * عليه قطعا يستحيل القِدَمُ

   هنا يوضح المصنف أن التقليد (الإتباع بدون دليل) في العلم المختص بتوحيد الله لا يخلو من ترديد في الإيمان، و أن العلماء اختلفوا علي صحة إيمان هذا المقلد و لهم تفاصيلهم، و هذا الكلام حجة علي من يقول أن الدين يدعو إلي وراثة الإعتقاد دون تحكيم العقل، و نرد عليه بأنه جاهل بما يعلمه الطفل الذي تلقي تعليما تراثيا. ثم انتقل إلي أول ما يجب علي المسلم معرفته و هو وجوب وجود الله عز و جل و السبيل إلي ذلك النظر في نفس الإنسان ثم في السماوات و الأرض حتي يجد الأدلة علي وجود خالق، و هي ذات الأدلة التي قادت فلو إلي الإيمان مع إختلاف تفاصيلها حسب العلم المتاح في كل عصر من العصور. ثم في البيت الأخير مما ذكرناه يتطرق إلي الدليل علي حدوث العالم (كونه غير أزلي أي له بداية) و في شرحه تفصيل لسنا بحاجة إليه الآن، إلا أن العقل سبق العلم الحديث في معرفة كون الكون حادث. المهم أن هذا التراث به جواهر كتلك الجوهرة التي نقلت عنها، مع آلاف الشروح و الحواشي (شروح علي الشروح) تكفي للتخلص من الشبهات و التشككات التي تعرض علينا في زماننا. و هي أيضا رد بليغ علي من ينتقد التراث و يدعو إلي رفضه بحكم ظلاميته، مع عدم قدرة هذا المنتقد علي دفع الشبهات و التشككات التي تواجهنا اليوم، بل عجزه عن فهم ما جاء به التراث نظرا للتعليم السطحي و الثقافة المزيفة التي تلقاها، و هيمنة التسرع و الإنفعال علي العصر لينتج لنا كل قبيح و ينسبه إلي المعرفة.

   سيقول البعض أن كتب التراث صعبة، و أن لغتها لا تناسب العصر، أو أن منطقها بعيد عن عقول اليوم و هو كلام صحيح، لكن الله ائتمن العلماء علي فهم دينه، و هم موجودون فيما بيننا يسهلون الصعب، و يبسطون المعقد، و يحلون المشكل، و يمثلون بما يناسب العصر. إذ قال في كتابه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، و جاء علي لسان نبيه صلي الله عليه و سلم أن «العلماء ورثة الأنبياء»، و جاء عنه أيضا أن «الأنبياء لا يورثوا درهما و لا دينارا، إنما ورثوا العلم».  فها هو الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي يناظر الطيب التزيني بلغة العصر، و يكتب كتابه “كبري اليقينيات الكونية” يبرهن فيه علي وجود الله، و يوضح مسائل العقيدة الإسلامية بالأدلة العقلية و النقلية، و كتابه “المذاهب التوحيدية” يبين فيه نشأة علم الكلام، و إختلاف الفرق الإسلامية، و يظهر العوار الفكري لدي الفلسفات المعاصرة و يفندها تفنيدا يبرز مدي سذاجتها. و ها هو الشيخ علي جمعة يكتب كتابه “الطريق إلي فهم التراث” يبين فيه سبل التعامل مع التراث و فهمه بشكل صحيح، و كيفية فهم المشكل فيه. و ها هو الحبيب عمر بن حفيظ يختصر ربع المهلكات من إحياء علوم الدين فيبسط لنا سبل التعامل مع النفس الأمارة بالسوء و تزكيتها. و ها هو الشيخ نوح القضاة رحمه الله يشرح جوهرة التوحيد (المتن الذي استخرجت منه الأبيات أعلاه) بلغة بسيطة عصرية تسهل علي أغلب خريجي المدارس العربية في عصرنا. هذا كله بالإضافة إلي تصوير مجالس العلم و رفعها علي مواقعهم الشخصية مما يسهل علي الباحث عن الحق بصدق أن يعرف سبل فهم دينه.

   ما أحوجنا إلي العودة إلي هذا التراث، الذي هو سبيلنا لفهم هذا الدين القويم و العودة إليه، مستعينين بعلمائنا ورثة الأنبياء الذين أخذوا العلم بالسند المتصل رواية، و دراية، و تزكية. من هم علي القدم النبوي و الهدي المحمدي، العاملين بمقتضي علمهم، الداعين إلي الله علي بصيرة. مصر بلد الأزهر الشريف، و ما زال في الأزهر رجال علي قدم أسلافهم لكننا في غفلة عنهم و إن كان للإعلام دور في طمس أعمالهم. و ما كان لقاصر في العلم، ملوَّث القلب و الجوارح بالمعاصي مثلي أن يطرح مثل هذه القضايا علي الناس، لكن الزمان صعب، كثر فيه التعرض للضلال و قلت فيه الإجابة، و لي إحتكاك بالمشايخ فسمعت منهم ما يشفي صدور بعض المتسائلين، فتوكلت علي الله و كتبت تلك الكلمات، أسأل الله الإخلاص و السداد و القبول.


.العبارة الأخيرة منقولة بترجمة و تصرف بسيط من النسخة الإنكليزية، طبعة هاربر وان سنة ٢٠٠٧، ص. ١٣ *
.نقلت و ترجمت الكلام بتصرف بسيط من ص. ١٠٤ و الصفحات التي تليها من النسخة المشار إليها أعلاه **
.الحجج العلمية و الفلسفية منقولة عن الكتاب و ليست من إستنتاجي ***
.انظر ص. ١٢٤ من النسخة المشار إليها من الكتاب ****