العبودية فرار من الوهم إلى الحقيقة
by محمد سامي
يشبه الإمام عبد الوهاب الشعراني الإنسان المعجب بذاته، صاحب “الأنا” الكبيرة، بشخص ذهب إلى مناسبة اجتماعية مرتديًا ثوبًا في غاية الحسن أعاره إليه أحد أصحابه ليحضر به هذه المناسبة. وأثناء المناسبة تغزل الناس في ثوبه وجماله، وفي ذوقه الرفيع الذي لا مثيل له .. إلخ.
في الحقيقة ثناء الناس في هذه الحالة ما هو إلا على ثوب صاحبه، وعلى ذوق صاحبه الرفيع، ولو توهم هذا الشخص للحظة أن هذا الثناء عليه، وبنى تصرفاته ومضى في حياته متغافلًا لحقيقة الأمر، يكون في غاية الحمق والسذاجة، وستبنى حياته كلها على الأوهام التي سيدفع ثمنها عاجلًا أم آجلًا.
كذلك حال الإنسان مع الله. فكل صفة وجودية فينا ما هي إلا أثر من آثار الله فينا، وإعارة من الله لنا لكمال من كمالاته. فعلمنا هو شيء يسير لا يذكر من علمه، وقوتنا شيء يسير لا يذكر من قوته، وجمالنا شيء يسير لا يذكر من جماله. ومن ظن للحظة أن هذا الكمال هو ملك له، أو أنه مستحق له كما توهم قارون لما قال {إنما أوتيته على علم عندي} فهو يكذب على نفسه كما يكذب على الناس. فأين كنا لما قدر الله لنا أقدارنا؟ وأي شيء فعلنا حتى ييسر الله لنا ذلك؟ وأي خير قدمنا حتى نستحق ما وصلنا إليه؟ {وما بكم من نعمة فمن الله}.
التحقق بالعبودية يقرب الإنسان من هذه الحقيقة، ويحرره من الأوهام التي من خلالها يكون للشيطان عليه سلطان {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، ويقيه من الكثير من الأزمات الروحية والنفسية التي نعيشها إن لم يكن أكثرها، بل يزعم البعض أنه يقي من كلها وهذا الأخير يحتاج إلى مزيد بحث.
ومن هنا نتنبه للخطر الكبير الكامن في الخطاب النفسي الذي يركز على بناء ثقة المرء في ذاته، وقوله له أنت عظيم وأنت جميل وأنت رائع. نعم كلنا غرقى في نعم الله لكنها لم تكن يومًا محاسن ذاتية لنا، بل عطايا أعطانا إياها الله سبحانه وتعالى ونسبتها إلى أنفسنا وهم وخداع محض.
.
{سبحانك لا علم لنا -إلا ما علمتنا- إنك أنت العليم الحكيم}
