مدونة السعة

Month: October, 2020

تحليل ظاهرة الإرهاب بين المفكر ومدعي الفكر

ملحد فرنسي يعتبر العمليات الإرهابية خروجًا من المسلمين عن نسق تراثهم الفقهي

و ”مفكر“ مسلم مصري يراها امتدادًا للتراث الفقهي (ربما لأن الاتهام يخدم مشروعه الفكري؟)

مارسيل غوشيه، فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي ملحد من الطراز الرفيع، يتربع على عرش التنظير الفكري منذ ٣٥ سنة على الأقل، يرى أن الهجوم الإرهابي على الجريدة الفرنسية «شارلي ابدو» عام ٢٠١٥ هو من تجليات الظاهرة التي يسميها هو في كتابه المسمى بـ«نزع السحر عن العالم»* «Le désenchantement du monde» ”الخروج عن الدين.“ هذه الظاهرة التي اجتاحت أوروبا قبل ٤٠٠ سنة على حد وصفه، والتي انتشرت حول العالم من خلال ما يسميه بالعولمة الثانية التي لا تقتصر على الهيمنة الاقتصادية على العالم لكن تهيمن كذلك على الثقافة والفكر. الفكر الذي يحتوي -طبقًا لغوشيه- على رسائل باطنة تدعو الناس للخروج عن الدين، وبدوره يخرج المسلمين من أنساقهم المعرفية المتمثلة في تراثهم الفكري إلى أنساق معرفية أخرى شاذة عنهم، ومن هذه الأنساق الشاذة تولد التطرف والإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام.

يرى غوشيه أن التناقض الأكبر في فكر هؤلاء الإرهابيين هو أنهم يحاولون إعادة عالمهم إلى ما كان عليه قبل أن تنهزم بلادهم أمام التغريب والعولمة، لكنهم في نفس الوقت يخالفون (بل يقول ينقطعون عن) المبادئ الفكرية التي كان عليها عالمهم الأول، ويتبنون مبادئ فكرية وفدت عليهم من هذا الغرب، والتي لا يحتاجون في تشربها إلى قراءة ومطالعة، لأن العالم الحديث ينشر ثقافة تؤدي بهم إلى تشرب بعض المفاهيم دون وعي.

هذه الرؤية ليست خاصة بغوشيه، وإن كنت أرى أنه أعمق من نظر لها لأنه فيلسوف عملاق، لكنها طرحت من قبل من قِبَل المستشرق المعروف جوزيف فان إس الذي يرى أن التطرف الذي يسمى بالإسلامي هو ظاهرة حداثية شاذة عن التاريخ الإسلامي، وكذلك عالم الإجتماع الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي أوليفيه روا الذي يرى أن هذا ”الجهل المقدس“ هو نتيجة التطرف العلماني الذي يفرض على المسلمين المعيشة في نسق اجتماعي مخالف لمعتقداتهم وبالتالي يؤدي إلى احتقان وتصرف عشوائي، وكذلك طرحه الفيلسوف الانجليزي الملحد جون جراي الذي يرى أن تنظيمًا مثل القاعدة هو تنظيم حداثي بامتياز يرجع نسبه الفكري إلى أوروبا وليس إلى الإسلام.

بينما تأتينا هذه الرؤى من عمالقة في الفكر الغربي، يخرج علينا أشباه المثقفين بأطروحات تمجها العقول، ترى أن هذه الجماعات الإرهابية هي وليدة التراث. وهؤلاء للأسف لا يفهمون التراث، ولا الفلسفة التي انبنى عليه تراث، ولا الفلسفات الحاكمة للعالم اليوم، ولا أصول فلسفة التنوير الذي يدعون إليه. ولو كانوا درسوا الفلسفة الغربية -لا أقول الفلسفة الإسلامية- كما ينبغي، لما قالوا ما قالوا. وأكبر دليل على ذلك دعوتهم إلى ”التنوير“، الفلسفة التي بدأ الغربيون في تجاوزها فكريًا منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وهنا أذكر قصة رواها لنا أستاذي في الفلسفة الدكتور ستيفن ستلزر (الرئيس السابق لقسم الفلسفة بالجامعة الأمريكيةبالقاهرة) عن أستاذه جاك ديريدا عندما زار مصر قبل سنوات. وهي أنه جالس بعض ”المثقفين“ عندنا في مصر وتكلموا في حضوره عن فلسفته بطريقة مبتذلة وغير دقيقة، فما كان منه إلا أن قال لهم: عليكم أن تقرأوا، عليكم أن تقرأوا، عليكم أن تقرأوا.

يا إخواننا المثقفين، ربما لو درستم الفلسفة ينفتح بيننا وبينكم باب للنقاش تخرج به بلادنا من أزمتها المعرفية التي تركها لنا ناعقوا الإسلاميين وناعقوا العلمانيين.

*لست متأكدًا إن كانت هذه هي الترجمة الدقيقة لكلمة désenchantement لكن الظاهر أنها الترجمة المعتمدة للمصطلح الذي أسس له ماكس فيبر الذي يختلف استخدامه للمصطلح عن استخدام غوشيه.

ماذا لو لقيت ريتشارد دوكنز؟

كنت متجهًا نحو محطة قطار مدينة أوكسفود قبل أسبوع عندما مررت بأحد المستشرقين المخضرمين، فظللت أفكر كيف أن المرء في هذه المدينة المرتكزة حول جامعتها عرضة لأن يلتقي بالكثير من الكتاب والمفكرين بمجرد إقامته بها، وأنهم يرتادون نفس المكتبات والأسواق والمقاهي التي يرتادها.

ثم خطر في بالي أني ربما ألتقي بريتشارد دوكنز مرة أثناء التجول في المدينة بما أنه من ساكنيها. وظللت أسرح بخيالي في الطرق المختلفة التي قد يتأتى لي إفحامه بها، وكسره نفسيًا، وأن هذا لو تأتى لي يكون انتصارًا كبيرًا .. لكنه انتصار كبير لمن؟

هذه هي المرة الأولى في حياتي التي فكرت فيها أن ريتشارد دوكنز من أمة الدعوة، وأن هدايته ينبغي أن تكون غرض الداعي إلى الله الأساسي وليس إفحامه. نعم، يجب علينا الرد عليه وأن نوضح بطلان دعاويه بقدر الإمكان، لكن بأي نية؟

هل الأليق بي كمسلم داعي إلى الله متبع لهدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أحب هدايته أكثر أم أن أحب أن أفحمه وأنكل به أكثر؟

وقتها تنبهت لقدر حظ نفسي في ما أحاول القيام به من خدمة دين الله، وتذكرت أن النفع بكلام الداعي إلى الله يكون بقدر إخلاصه، فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز كما يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندي، والقلوب تخاطب القلوب كما يقول المشايخ.

فكلما كان خطاب الداعي مع المدعو مشحونًا بحظ النفس الطالبة للانتصار الشخصي، كان تلقي المدعو بنفسه الآبية للإذعان للحق. وكلما كان الخطاب خارجًا من قلب يريد الله ورسوله، ويرى أن (الخلق عيال الله) وأن (أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)، اتسع قلب المخاطَب للإنصات والتفكر.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم).

فكما كانت هداية الكفار الحربيين أحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قتلهم، ينبغي أن تكون هداية المحاربين الفكريين للدين اليوم أحب إلينا من إفحامهم وإظهار عوارهم.