مدونة السعة

Month: July, 2020

هل يطالب الدين أتباعه بالإيمان الأعمى؟

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

الحمد لله،

“والمسلم المتعلم إنما يكون مسلماً متعلماً بالاستقلال في العقيدة الدينية. ولا يجوز للمسلم تقليد غيره من المسلمين في العقيدة فما ظنك بتقليد غير المسلمين؟”
شيخ الإسلام مصطفى صبري

الحمد لله،

كنت في زيارة بعض الأصدقاء لما سألتني خطيبة أحدهم عن طبيعة عمل المؤسسة التي أعمل بها. فلما شرحت لها بعض نشاطات المؤسسة والتي من ضمنها مبادرة سؤال، قالت لي: “كيف تستدلون على صحة المعتقدات الدينية؟ أليست هذه الأمور تؤخذ بالإيمان وتحتاج لشيء من الثقة مع غياب الدليل؟” وفي موقف آخر كنت أشرح لأستاذ لي في كلية الاقتصاد الأسباب التي جعلتني أترك مجال الاقتصاد وأتجه لتعلم العلوم الشرعية، ومن ضمن الأسباب أن الشباب تائه في معترك الأفكار الرائجة في عصرنا مما يجعل تمسكه العقلي والروحي بالدين أصعب. فقال لي الأستاذ: “الدين يكون بالإيمان وليس بالدليل.” والحقيقة أن هذه الفكرة وإن دلت على قوة إيمان أصحابها، فهي ليست من المفاهيم الإسلامية بالمرة، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام مصطفى صبري في الاقتباس الموجود أعلى المقالة وهو من كتابه: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين).

هذه الفكرة التي تدعو إلى كون الإيمان قرار غير مبني على دليل تسمى بالقفزة الإيمانية (leap of faith)، وهذا المصطلح مدين في نشأته في هذا السياق للفيلسوف الدنماركي المسيحي البروتستانتي الوجودي سورن كيركغارد. ولكل وصف من الأوصاف السالفة صلة بمعنى القفزة الإيمانية.

فكونه دنماركيا يشير أنه كان يعيش في عالم وسياق فكري مختلف عن العالم والسياق الفكري للمسلمين، وكونه مسيحيا يشير إلى أن معتقداته التي يقفز إليها ليست هي معتقدات المسلمين، وكونه بروتستانتيا يشير إلى أنه من طائفة مسيحية لم تمتلك الأدوات الفلسفية والمنطقية التي تعينها على الخوض في المباحث الميتافيزيقية بخلاف الكاثوليك فإنهم لديهم تراث فلسفي أرسطي شديد القوة، وكونه وجوديا يشير إلى كون كتاباته فيها ردة فعل المجتمع المادي الصناعي الأوروبي. والقاريء لفلسفة كيركغارد أو تبعاتها لا ينبغي أن يخلي ذهنه عن هذه الاعتبارات.

ولنا أن نضيف أن كيركغارد عاش في الحقبة الزمانية التالية لهيغل مباشرة، وكان ناقدا لهيغل لأسباب من ضمنها التعقيد الذي عقده هيغل للفلسفة المسيحية. فهو قدمها بطريقة فلسفية غير سلسة، لا يسهل على المسيحي العادي أن يقرأها ويستلهم منها أسلوبا للمعيشة يتوافق مع مسيحيته. أما كيركغارد فقد كتب بلغة سهلة، وفي مواضيع مرتبطة بما يمر به الإنسان المتوسط في الحياة، مما يجعل فلسفته معينة للإنسان المسيحي على حياته وعلى تطبيق المسيحية في حياته اليومية.

ومن الجدير بالذكر أن هيغل كان يرى إمكان اجتماع النقيضين، وقد تأثر في ذلك بكانط تأثرا قد لا يكون مباشراً. فالذي دفع بكانط إلى تأسيس مذهبه الفلسفي هو ما وجده في عصره من إمكانية الاستدلال العقلي على الشيء ونقيضه في أربع مسائل مهمة في الميتافيزيقا، مما أدى به إلى القول بأن العقل غير قابل للحسم في مثل هذه القضايا. ومن المعلوم أن الميتافيزيقا التي ينتقدها كانط هي الميتافيزيقا التي سادت أوروبا في القرن والنصف السابقين لكانط والتي بدأت مع ديكارت ولا علاقة لها بالنظام الميتافيزيقي الأرسطي.

بهذا يتضح أن كيكغارد مرتبط في فلسفته بالسياق التاريخي والفكري الذي بدأه ديكارت إلى أن وصل إلى كيكرغارد عن طريق فلاسفة الغالبية العظمى منهم مسيحيون، وبالتالي هو مرتبط بسياق خاص لا ينبغي اسقاطه على ديانة غير ديانتهم (الإسلام) وعلى نظام فلسفي غير نظامهم (الأرسطي).

فكيركغارد نشأ في فترة كانت أوروبا قد فقدت الأمل في إمكانية الاستدلال على صحة معتقداتها بالعقل، ورأت أن العقل إما أن يصطدم مع نفسه وإما أن يصطدم مع معتقدات دينية مثل حلول الإله في جسد عيسى مع احتفاظ الإله بماهيته، ومثل المعجزات. وقد استأنس كيركغارد في كلامه عن القفزة الإيمانية بقصة سيدنا إبراهيم لما أمره الله سبحانه وتعالى بذبح ابنه اسحق (الرواية الانجيلية للقصة تقول أن الابن هو سيدنا اسحق عليه السلام بينما تقول الرواية القرآنية أن الابن المأمور بذبحه هو سيدنا إسماعيل عليه السلام). فيقول كيركغارد أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم بما يخالف عقله وطبيعته مما يستدعي قفزة إيمانية من قبل سيدنا إبراهيم تعينه على تقبل أن الله –مع ما أمر به من مشقة– م يأمره إلا بما فيه الخير له. والمعنى الذي يشير إليه كيركغارد هو معنى رائق في التدين والصلة بالله والتسليم لمراد الله لكنه لا يتعلق بأصل الإيمان ولكنه ثمرة من ثمراته.

هذا فيما يتعلق بنشأة فكرة القفزة الإيمانية وتلقي المعتقدات بدون دليل، وكونها فكرة ناشئة بعيدا عن الفكر الإسلامي. أما ما يتعلق بموقف الفكر الإسلامي من هذه القفزة فهو معروف عند طالب العلم المبتديء الذي درس متن جوهرة التوحيد للإمام إبراهيم اللقاني، وهو متن يدرسه المبتدئون في العقيدة. يقول الإمام اللقاني:

إذ كل من قلَّد في التوحيد * إيمانه لم يخلُ من ترديد

والتقليد هو أخذ القول بغير دليل. فالإمام اللقاني يقول أن كل من بنى إيمانه على غير دليل بنى إيمانه على أصل ضعيف يجعله مترددا في إيمانه. وطرح العلماء الأسئلة حول إيمان هذا المقلد، فقالت المعتزلة أن إيمانه غير صحيح، وهذا الرأي لم يقبله أهل السنة، إذ قالوا أن إيمانه صحيح لكن اختلفوا هل هو عاصي أم لا. فقال بعضهم أن كل مقلد في الاعتقادات عاصي، وقال غيرهم وهو الرأي الراجح عند أهل السنة أنه يكون عاصيا إن كانت عنده أهلية النظر، ولا يكون عاصيا إن لم تكن عنده هذه الأهلية. وبذلك نتوصل إلى أن الإنسان الذي لديه قدرة على معرفة الدليل على صحة اعتقاده يجب عليه أن يعرفه وإلا أثم، وهذا معنى قول شيخ الإسلام مصطفى صبري أن المسلم لا يجوز له تقليد غيره من المسلمين في الاعتقاد. ولم يكتف العلماء بعَدِّ معرفة العقائد بالدليل من الواجبات الدينية، بل عدوه أول الواجبات. قال الإمام اللقاني:

واجزم بأن أوَّلاً مما يجب * معرفةٌ وفيه خُلف منتصب

أي أن أول الواجبات على المكلَّف هي المعرفة، والمعرفة هي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل. وأما الخلاف الذي يذكره في البيت أعلاه هو خلاف بين العلماء حول أول واجد على المكلف، فمنهم من قال بأنه المعرفة، ومنهم من قال أنه النظر والبحث المؤدي إلى المعرفة، ومنهم من قال أنه القصد إلى النظر والبحث. وهذا الخلاف لا يغير من طبيعة المسألة ولا من كون هناك أولوية لترسيخ الإيمان بمعرفة الأدلة.

وهذه الأقوال للأئمة ليست بأقوال جديدة ناشئة عن ردة فعل للهجوم الذي يتعرض إليه الدين من كون اتباعه يؤمنون به إيماناً أعمىً مخالف للعلم والعقل، بل هي أقوال ترجع إلى القرون الأولى للإسلام. وأما مفاهيم القفزة الإيمانية والإيمان الأعمى فهي مفاهيم لا تمت للفكر الإسلامي بصلة، وقد أوضحت أنه نشأت في بيئة غريبة عن الإسلام وأهله. وبهذا يندفع الإشكال الذي يورده القائلون بان الدين يدعو الإنسان لترك عقله.

وأنا أطلب من الشباب المسلم أن يحصن إيمانه بالأدلة العقلية على صحة الإيمان في هذا الزمن الذي كثر فيه التطاول على الدين والتشويش على معاني الإيمان وقيمه ومن قبل وسائل شتى. كذلك أطلب من المستوردين للأفكار الغربية بدون فهم لحقيقة الفكر الغربي ولا لحقيقة الفكر الإسلامي أن يكفوا عن ترويج أفكارٍ هم يجهلون بها وبالفكر الذي تستند هذه الأفكار المروجة عليه. فالضرر المعنوي الذي يتسبب فيه هذا الجهل المروج له لا يقل عن أي ضرر مادي من الممكن أن يسببه أحد إلى غيره. بل الضرر المادي يؤدي بالأمم من الغنى إلى الفقر والضرر المعنوي يؤدي من العلم إلى الجهل، فأي الضررين أكبر وأخطر؟

الدين والفلسفة

كتبت هذه التدوينة عام ٢٠١٧ ونشرت لأول مرة على موقع مدونة سؤال

كانت أول محاضرة حضَرتها في حياتي الجامعية أثناء دراسة البكالريوس محاضرةً في مادة بعنوان «التفكير الفلسفي». لم أكن وقتها أعرف ما معنى كلمة فلسفة، وكان الأستاذ المدرِّس للمادة أمريكيًا ولم أكن قبلها قد درست مع أي أستاذ غير مصريٍّ من قبل. وأنا بطبيعتي أخاف من الآخر أو المجهول وكنت في هذا الموقف أمام مجهولات ثلاث: الفلسفة، والأستاذ الجامعي، وكون هذا الأستاذ الجامعي أمريكيًا.

جلست في الصف الأخير والتزمت الصمت حتى رفع أحد الطلاب يده وقال: يا أستاذ، أنا أدرس هذه المادة للمرة الثانية وما زلت لا أعرف، ما هي الفلسفة؟ وكان رد الأستاذ هو التعريف بالمعنى اللغوي للكلمة المركبة من كلمتين يوانيتي الأصل: فيلو، وسوفيا. وفيلو هي كلمة بمعنى المحبة، وسوفيا هي كلمة بمعنى الحكمة.

بالجمع بين الكلمتين ندرك أن الفلسفة هي محبة الحكمة أو السعي تجاهها، وهي –أي محبة الحكمة والسعي تجاهها- أمور شريفة مطلوبة.. لكن ليست لذاتها، بل هي مطلوبة للحكمة. فهذا النوع من السعي نُسب إليه الشرف لكونه سعيًا نحو الحكمة لا لمطلق كونه سعيًا.

كانت هذه هي المادة الوحيدة التي درستها في الفلسفة أثناء البكالريوس، وكنت ممن يعتقدون أن الفلسفة أمرٌ لا حاجة إليه. ثم مرت الأيام وشاء الله تعالى أن أدرس الماجيستير في الفلسفة في نفس الجامعة، ويسأل طالب الأستاذ سؤالًا عن الفلسفة يعيد إلى الذهن التفكر في تعريف الفلسفة على أنها محبة للحكمة أو سعي نحوها. سئل الأستاذ عن الفلسفة الإسلامية فقال أنه يرى أن كلمة الفلسفة الإسلامية فيها تناقض. لأن الفلسفة تطرح الأسئلة بينما الدين يقدم إجابات عنها.

وفي سياق آخر، أثناء القراءة في كتاب «مدخل إلى الميتافيزيقا» للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر والذي يطرح فيه أسئلة جول حقيقة الوجود، نبه الأستاذ نفسه الذي كان حينها رئيس قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن أفلاطون كان يشعر بالخجل والحيرة تجاه فهمه لتعبير «الوجود». فقد قال أفلاطون أننا في الماضي كنا نظن أننا نفهمه لكننا الآن أصبحنا حائرين. فهل هذه الحيرة هي التي تجعل الفلاسفة طالبين للحكمة بدلًا من أن يكونوا حكماء؟

يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه غينو أن هذه الحيرة لا تواجه الأديان الأصيلة لأنها تدعي أنها تمتلك الحكمة. فبالنسبة إليهم، حقائق مثل الوجود هي أمور لا يدركها العقل بل هي أمور من عالمٍ علوي لا تعرف إلا بطريق الوحي. لذلك، سيظل الباحثون عن هذه الحقائق من غير طريقها حائرين تائهين. وغينو هو فيلسوف فرنسي تشبع بالتراث الفلسفي الغربي القديم والحديث ولم يجد فيه ضالته، فاتجه نحو الأديان والمعارف الشرقية ودرسها بطريقها لا بطريق الاستشراق، وكتب كتابه «المدخل إلى دراسة العقائد الهندوسية» منتقدًا فيه المحاولات الاستشراقية لفهم هذه العقائد من المنظور المعرفي الاستشراقي الضيق الذي أنكر الوسائل المعرفية الشرقية لمجرد جهله بها وظنه أنه أرقى منها. وفي المقولة الشهيرة: «المرء عدو ما يجهل». وغينو بعد أن جمع بين دراسته للفلسفة الغربية في بلادها وعلى طريقتها ثم درس العقائد الشرقية، انتهى به المطاف في الإسلام بعد أن قرأ كتابات الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وانتقل إلى مصر وأسس فيها مجلة «المعرفة» التي كانت تصدر في بداية ثلاثينيات القرن العشرين. ومن أراد أن يعرف أكثر عن غينو فليقرأ الفصل المخصص له في كتاب الشيخ عبد الحليم محمود: «قضية التصوف: المدرسة الشاذلية».

والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الذي أثَّر في غينو كان له رأي في فلاسفة اليونان وهو أن علومهم مكتسبة في الأصل من سيدنا إدريس عليه السلام ولكنهم أخطأوا في نقل ما جاء عنه ونظروا في الغيبيات بعقولهم المجردة وأن خطأ النظر العقلي في هذه الأمور أكثر من صوابه. (وهذا لا يعني أن العقل لا يعتد به في المسائل الدينية، بل هو ضروري للتوصل إلى أن الدين حقيقي وضروري كذلك لفهم وتفسير الدين. لكن كلام الشيخ الأكبر عن الأمور التي لا يستقل العقل بالتوصل إليها لكنه يقرها ولا يجد تعارضًا بينها وبينه. فالعقل آلة وليست جميع الآلات صالحة لجميع الأغراض مثل المسموعات لا تدرك بالأعين. ولعل الله ييسر كتابة تدوينة أخرى في بسط هذا الأمر المتعلق بالدين والمعرفة والعقل.)

فالفلسفة تطرح العديد من الأسئلة عن أمور هي عاجزة عن الإجابة عنها، مثل سؤال الوجود الذي ذكره أفلاطون وما زال يسأل إلى يومنا هذا. والدين يقدم إجابات عن مثل هذه الأسئلة، ومن نظر في إجابات جميع الأديان سيجد تقاربًا شديدًا في العقائد الأساسية مثل وجود مصدر أو مبدأ أول ومراتب الوجود وكيفية الوصول إلى هذا المصدر أو هذا المبدأ سواء سموه إلهًا أو وجودًا أو غير ذلك. وبكيفية الوصول المقصودة التي هي الطرق الخاصة والشرائع المختلفة تتفاوت الأديان، ويستدل بمدى عقلانية تفاصيل العقائد والشرائع للعقل الإنساني على بقاء هذا الدين على صورته الأساسية دون تبديل أو تحريف كما حصل عند الفلاسفة الذين ذكرهم ابن عربي أو في الأديان الأخرى. ونحن كمسلمين نمتلك أدلة على صحة ديننا، وكذلك على مخالفة الأديان الأخرى للعقل أو على عدم امتلاكها لدليل عقلي صحيح على أن تفاصيل عقائدها وشرائعها هي وحي من عند الله عز وجل. ونرى أن الدين هو الطريق الموصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى المطلوبة لذاتها والتي بدونها لا تفهم حقيقة هذا الوجود المحيط بنا على ما هو به في الواقع.

والحاصل أن معرفة الإله ومراتب الوجود وكيفية الوصول إليه مطلوبة لذاتها، ويستحق العارف بها اسم الحكيم لا محب الحكمة أو الساعي تجاهها. ولعل كون أشعار جلال الدين الرومي والذي كان عالماً شرعياً وشيخاً صوفياً هي الأشعار الأكثر مبيعاً في أمريكا عام 2007 يشهد للمعنى الذي أشير إليه. فهذا الشعب الذي لا يظهر في سلوكه التدين لم يكن ليقبل على تلك القصائد مع كونها مترجمة لو لم يجد فيها ضالة كان يبحث عنها. {يُؤْتِي الْحِكْمَةَمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.

فهذه هي العلاقة التي أراها بين الدين والفلسفة والله أعلم.

اللهم افتح علينا حكمتك، وانشر علينا رحمتك، يا ذا الجلال والإكرام.