هل يهدد العلم التجريبي الإيمان بالله؟
تدعي نوعية من الملحدين الذين قابلتهم أن العلم قد فضح إدعاءات الأديان، و أن حقيقة عدم وجود إله لا تختلف عن أي حقيقة توصل العلم إليها، و أن ساعة من التفكير الجاد لن تؤدي بصاحبها إلا إلي الإلحاد. و الحقيقة أنه كما حاول البعض لي أعناق النصوص الدينية ليبرهن علي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، هناك من يحاول لي أعناق العلم ليبرهن به علي عدم وجود الإله، في ظاهرة سماها الحبيب علي الجفري بالإعجاز العلمي في الإلحاد.
هذه التدوينة ليست محاولة لإثبات وجود الله بالعلم. فأنا لست متخصصا بالعلم و لست علي إطلاع كاف علي النظريات العلمية المختلفة. كما أنني لا أعتقد أن العلم المادي هو السبيل الذي يعرف به وجود الله، حتي و إن كان هناك في عالم المحسوسات ما يدل علي تصميم دقيق. إنما هي محاولة كشف زيف ما يحاول الملحدون تصويره علي أنه حقيقة، الأمر الذي قد يسبب خللا في ثقة بعض المتدينين بدينهم.
قرأت بحثا أجراه باحثون في جامعة ميتشيغان الأمريكية عن أثر مجال الدراسة علي الإيمان، و علي ممارسة الشعائر الدينية. الباحثون انطلقوا من فكرة أن النظرة العلمية، و النظرة التنموية، و نظرة ما بعد الحداثة للعالم كلها يؤدي إلي فقدان الإيمان بالله. فالأولي تكشف دقائق العالم المحسوس و تشرح كيفية الخلق بما يغني عن اللجوء للدين، و الثانية تزيد من تركيز الإنسان علي الجوانب العملية للحياة علي حساب الجوانب الغيبية، و الثالثة تعطي الإنسان إنطباعا بأن كل شئ نسبي، فبالتالي ما أتي به الدين عن تشريعات، و عن الأخلاق هو أمر نسبي يتغير بتغير الزمان و المكان. و اعتبر الباحثون أن النظرة العلمية تُمَثَّل في مجالات العلوم التجريبية، و النظرة التنموية تُمَثَّل في مجالات إدارة الأعمال و الأموال، و نظرة ما بعد الحداثة تُمَثَّل في مجالات العلوم الإجتماعية.
دون الخوض في تفاصيل البحث، توصل الباحثون إلي أن دراسة العلوم الإدارية و المالية لا تؤثر علي الإيمان، لكنها تؤثر إيجابيا علي الممارسات الدينية و حضور الشعائر. و توصلوا إلي أن دراسة العلوم التجريبية ليست لها أثر يذكر علي الإيمان. أما دراسة العلوم الإجتماعية فلها تأثير سلبي علي الإيمان، بسبب ما تعطيه من إنطباع أن أمور العقائد و التشريعات و الأخلاق هي نسبية. جدير بالذكر أن العلوم الإجتماعية عندما تتعرض لدراسة الدين، لا تهتم بدراسة محتويات الأديان بقدر ما تركز علي بعض الجوانب الإجتماعية فيه، و هو خلل منهجي لا يخفي علي أصحاب البصائر خاصة الدارس منهم للعلوم الدينية.
و يؤيد الرأي بأن العلم لا يؤثر سلبا علي الإيمان دراسة أجراها باحثون من عدة جامعات في أمريكية عن الإعتقاد الديني لدي العلماء التجريبيين في أفضل الجامعات. كانت نتيجة الدراسة أن نصف العلماء التجريبيين يؤمن بالأديان و النصف الآخر لا يؤمن بها، إلا أن أكثر من ٨٠ بالمائة من العلماء الغير مؤمنين اختاروا عدم الإيمان قبل سن السادسة عشر من عمرهم، أي أنهم تركوا الإيمان قبل دراستهم الرسمية للعلوم التجريبية، مما يضعف حجة أن العلم كان سبب تركهم له. لكنهم أقبلوا علي العلم برؤية مسبقة، و العجيب أن نسبة العلماء التجريبيين المعادين للدين لا تتعدي ١٢ بالمائة في أقصي تقدير. و هذه النتائج تؤيد ما قاله الشيخ علي جمعة عن أن كل منا يُقبِل علي عالم المحسوسات بنظرته، فالمؤمن يراه من عجائب قدرة الله، و غير المؤمن يُحجب بمعرفة تفاصيل الكون عن الأسباب و الحكم من ورائة. و يبقي الفيصل بينهم هو الدليل العقلي المجرد، الذي هو الأصل عند المسلمين في الإستدلال علي وجود الله.
و هذا الرأي لا ينفرد به المتدينون الذين يدافعون عن دينهم. فالفيزيائي بيتر هيغز الحاصل علي جائزة نوبل يقول أنه ملحد بسبب خلفيته العائلية، و أنه لا يري إستحالة الجمع بين الإيمان و نتائج العلم التجريبي، بل و يصف ريتشارد دوكنز بأنه إنسان يهاجم المتطرفين بالرغم من كونه هو أيضا متطرف. و عن ريتشارد دوكنز، يقول الفيلسوف التطوري مايكل روس أنه يشعر بالخجل من كونه ملحد عندما يتعرض لأفكاره. و فرانسيس كولينز رئيس مشروع الجينوم البشري و الذي آمن في سن السابعة و العشرين يقول أن العلم التجريبي له حدود، و أنه لا يستطيع أن يجيب عن الأسئلة المعنية بالله، و بالمعني وراء الحياة. و يؤيده في ذلك الفيزيائي و الروائي الملحد آلان لايتمان و الذي يدرّس بمعهد ماستشوستس للتكنولوجيا (إم.آي.تي). و من الملحدين أيضا هاجم الفيزيائيُّ و الفيلسوف ديفيد ألبرت الفيزيائيَّ الملحد لورينس كراوس بأن محاولة رفضه للأديان لأنها فكرة غبية و تخالف العلم هي فكرة سخيفة و مثيرة للشفقة. فهل يترك ذلك مجالا للسفهاء من الملحدين الذين يدعون أن العلم هدم الإيمان، و أن كل مؤمن جاهل بالضرورة؟
هذه الآراء كلها آراء حيادية، لا تنتصر للدين بقدر ما تدفع الإفتراءات عنه. لكن هناك مدرسة اسمها مدرسة التصميم الذكي لها إنتشار واسع الآن في الجامعات الغربية لكنها مضطهدة، بل و تم إستبعاد من ينشر أبحاثهم في المجلات العلمية، و لمن أراد أن يستزيد أن يشاهد الفِلم الوثائقي “المطرودون”. و قد أصدر أصحاب هذه المدرسة بيانا لرفض بعض تفاصيل الداروينية وقع عليه أكثر من ٥٠٠ عالم تجريبي فضلا عن الرياضيين و المهندسين و فلاسفة العلوم. و في مثل هذا الجهد فليشارك المسلمون، و لكن لن يكون لعملهم جدوي إن لم يتقنوا العلوم التجريبية إتقانا تاما، و كذلك العلوم العقلية الإسلامية، حتي يكون إصدارهم إضافة جديدة للعلوم، و مشاركة للإنسانية في إبراز المعارف، و إخراجا للعلوم من أسر الفلسفات المادية. و الله المستعان.


