عن ظاهرة الإلحاد الجديد و فرصة المسلمين الذهبية

أزعم أنا و من حولي أن ما جري في الخامس و العشرين من يناير عام أحد عشر و ألفين ميلاديا كان له تأثير عظيم علي حياتي. ففي يوم لن أنساه أبدا، كنت جالسا بغرفتي أتصفح الفيسبوك إنتظارا للصباح كي أتوجه إلي ميدان التحرير، إذ أُذِّن لصلاة الفجر فقلت في نفسي “إن كنت حقا أرجو التغيير، فعلي أن أبدأ بنفسي”. توضأت و خرجت لصلاة الفجر، و منذ ذلك اليوم لم أتوقف عن القراءة في الدين و في العلوم الإجتماعية (خاصة الإقتصاد) حتي يومنا هذا. تبحري في القراءة و مناقشة كل من هب و دب كانا مفتاحان لأفكار لم أكن أعلم بوجودها في العالم عامة و في بلدنا خاصة. ضمن هذه الأفكار فكرة وجود الإلحاد بين شباب المسلمين!

كنت أقوم بتوصيل أحد الزملاء من الجامعة إلي منزله حين سمعت منه ما لم أكن أعتقد أني من الممكن أن أسمعه من قبل .. “لا المهم أنك تخش الحمام برجلك اليمين” و سرعان ما وصل بنا الحديث إلي اعترافه لي بأنه ليس مسلما لأنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، و هو أيضا ليس بالملحد لأنه لم يبحث عن الرب من قبل!

بعدها بفترة قصيرة سألني أحد الأصدقاء إن كنت أستطيع أن أثبت له أن الرب موجود فصعقت و لم أجد إجابة. انتهي نقاشنا يومها أنه علي بالبحث عن إجابة لهذا السؤال و رشح لي أحد كتب الدكتور مصطفي محمود و شهد لي بأن هذا الكتاب هو الذي انتقل به من الشك إلي الإيمان. ثم توالت علينا الأحداث السياسية و ظهرت تيارات لا تعرف عن الإسلام سوي اسمه تدعي تمثيله، قد نجحت الأفكار العلمانية المطروحة علي الساحة السياسية في إثبات إفتقارها (التيارات الإسلامية) لبديل حقيقي نابع من التراث الإسلامي و عقيدته و شريعته يفوق ما يقدم علي موائد العالم السياسية. و لم يقتصر الأمر علي السياسة بل ظهرت من نفس الأناس فتاوي تظهر إفتقادهم للعلم و العقلانية و الإنسانية و أخلاقيات الإيمان مما أدي إلي زعزعة ما تبقي في صدر الشباب من الثقة برجال الدين، و الدين نفسه (من بينهم الصديق الذي نصحني بقراءة كنابات د. مصطفي محمود) و قدرته علي الإخراج {مِنَ الظُّلُمَات إِلَى النُّور}.

و من هنا كانت إنطلاقة موجة الإتجاه إلي نظريات و فلسفات التنوير، و التي خرجت أيضا ضد الإستبداد الديني في أوروبا فأنكرت وجود الله و نحّت الغيب عن رؤيتها للعالم، و خرجت منها حضارة تسود عصرنا هذا. و أصبحت النظريات “العلمية” الحديثة تربط كل ما تتوصل إليه إلي المادة الملموسة و المرئية و المسموعة دون إعتبار لما وراء المادة (أو ما وراء الطبيعة أي الميتافيزيقيا) و رموا بالعلوم القديمة، أي علوم ما قبل النهضة، التي اعتمدت علي التفكر المجرد وراء ظهورهم و أصبح العلم هو ما يمكن إثباته رقميا و ليس إلا فحلت الفيزياء (الطبيعة) محل ما وراء الطبيعة و أصبحت هي مقياس العلوم و من بعدها الأحياء فلخصوا مثلا الإنسان إلي مجرد خلايا تكون كائنا معين ثم لخصت تلك الخلايا إلي مجرد ذرات لها تركيب معين. و من هنا أصبح الإنسان مادة حسية قابلة للخضوع للتجارب مع فقدان كل ما هو معنوي. فروح الإنسان مثلا ليست لها تعريف علمي، و كذلك أحلامه و أخلاقه و سعادته فأصبحت تلك المعاني نسبية تختلف من إنسان لإنسان لا حقيقة لها. من هنا استباحوا الجسد الإنساني فطبقوا عليه نظرياتهم و تجاربهم العلمية آخرها نقل الأعضاء، ظنا منهم أنه يؤدي إلي إنقاذ الأرواح غافلين عن تأثير هذه العملية علي الجودة المستقبلية لحياة صاحب العضو المنقول.

الكارثة هنا لا تكمن في ما توصل إليه الغرب و قبلوه “دينا” جديدا لهم بل في تصدير تلك العلوم لنا و لمدارسنا علي أنها العلوم الصحيحة المؤكدة، و تدرسيها في مدارسنا لتخرج جيلا ينحي الغيب (بدون قصد) و لا يصدق إلا ما كان مرئيا أو ملموسا أو محسوسا. و يري العديد من الشعائر الدينية لا تطابق النظرية العلمية فلا يهتم بها مع حفاظه علي إعتقاده بوجود إله و نبي عظيم اسمه محمد. بل كتب بعض “مثقفينا” عن النبي العدنان صلي الله عليه و سلم و أرجعوا إنجازاته إلي عبقرية عقلية بدلا من وحي و توفيق و بركة من الله سبحانه و تعالي. و قد ذكر شيخنا الشهيد العلامة محمد سعيد رمضان البوطي في مقدمة كتابه فقه السيرة أن أحدهم استشهد علي ذلك ببيت الإمام البوصيري رحمه الله: “لم يمتحنا بما تعيا العقول به *** حرصا علينا فلم نرتب و لم نهم” و نسي هذا “المثقف” أن الإمام البوصيري في القصيدة عينها أنشد “جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ** تمشي إليه علي ساق بلا قدم”. و مع ضعف مستوي التعليم الديني تزامنا مع التقدم المادي الغربي زادت الدعاوي لتقليص الدين لمجرد الصلاة و الصوم و إبعاده عن الحياة العملية و الفكرية بحجة أن رسول الله صلي الله عليه و سلم احترم التخصص و العلم. و اعتبروا (أو شبهوا لأنفسهم) العلم المطروح علي الساحة العالمية بأنه هو العلم الذي هو “فريضة علي كل مسلم”

حتي لا أطيل. أول ما يصف به الله المتقين في كتابه هو {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. و قد حاولت بإيجاز أن أبين مدي وصول العالم بأسره إلي تنحية الغيب و هو أمر لا يختلف عاقلان علي مخالفته لديننا. و سيطرة منحو الغيب علي عقولنا تحدٍ عظيم. و بقدر عظمة التحدي ينبغي أن يكون الرد، و كذلك يعلمنا تاريخنا. فالمسلمون واجهوا ما هو أشد من ذلك في القرون الأولي حين ظهر عليهم من يزعمون أنهم من أبناء دينهم و يأتون فيه بما لم يأتي به الله و رسوله. و أقصد في حديثي المعتزلة و الجهمية. انخرطوا في الفلسفات الهيلينية و فتنوا بها فأصبحت هي مصدرهم للحقيقة بدلا من الكتاب و السنة. بل افتروا علي كتاب الله و زعموا أنه مخلوق و أنه ليس كلام الله عز و جل! و نسبوا لله سبحانه و تعالي ما لا يليق به من نقص و قالوا أن التحسين و القبيح هي أمور نسبية لا دخل للدين بها! و جاء من بعدهم بقرون فلاسفة أمثال ابن سينا (لا أنكر علي الرجل علومه الدنيوية) الذي قال بقدم العالم و لانهايته! فما أشبه تلك المحن بما نتعرض له اليوم من إفتراءات علي الله و رسوله. فخلق القرآن لا يختلف كثيرا عن تاريخية القرآن و التحسين و التقبيح البشري هما لب ما نواجهه الآن من ضعف في القيم السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية مما يخالف ديننا الحنيف.

و ما أشبه حالنا اليوم بحال المسلمين الذين صعقوا آنها مما يقدم لهم علي أنه الدين بدلا عما ورثوا عن آبائهم و أجدادهم وصولا إلي حضرة النبي المعظم! و لكن ها هو الإمام أبو الحسن الأشعري يتقن أفكار المعتزلة (كان الإمام الأشعري معتزلي في بدايته) ثم يدرك الحقيقة فيتقن ما أخبر به الله و رسوله عن العقيدة فيردع أفكارهم و يحطمها تحطيما دون إستخدام للقوة مستعينا بالحق سبحانه و تعالي مستخدما لسلاحهم (المنطق). و ها هو الإمام الأكبر حجة الإسلام أبي حامد الغزالي يتقن أفكار الفلاسفة و يؤلف كتابا يسميه مقاصد الفلاسفة يبين فيه أقوالهم و يقوي حججهم مثبتا إطلاعه علي كل مبادئهم ثم يؤلف تهافت الفلاسفة الذي طعن فيه في أفكارهم محتجا بالشرع و المنطق!

أذكر أول محاضرة لي في كلية الإقتصاد كانت في مادة التاريخ الإقتصادي للشرق الأوسط. بدأنا بمقالة للدكتور إريك تشيني أستاذ الإقتصاد في جامعة هارفارد عن دور علم الكلام (أو التوحيد/العقيدة/الأصول) في نهضة المسلمين، يبدأها بأن المسلمون سبقوا أوروبا فكريا بحوالي خمسة قرون و أن السبب الرئيسي لتلك النهضة الغير مسبوقة في تاريخ المسلمين كان إتقانهم للعلوم. و عندما رجع لعلوم المسلمين وجد أنها تفرعت من رغبتهم في خدمة العقيدة الإسلامية و أصول الدين فتوغلوا في سائر العلوم و أفرزوا نظريات تؤيد إيمانهم لأن الإستشهاد بالله و رسوله لم يكن كافيا لإقناع غير المسلمين بالدين و خاصة العجم منهم. و العجيب أن الإمام العلامة مفتي الديار الأسبق الدكتور علي جمعة يذكر في كتابه الطريق إلي التراث الإسلامي أن رغبة المسلمين في الإعتناء بكلام ربهم جعلتهم يبتدعون معادلات رياضية تنسق أشكال الحروف العربية علي نحو يليق بعظمة الكلام فاستفادوا بهذه العلوم في تطوير ما يعرف اليوم بالفن و المعمار الإسلامي. و عندما انتقل الدكتور تشيني إلي مناقشة تدني مستوي العلم في المنطقة كان السبب هو أيضا الغفلة عن التبحر في العلوم! فكم نحن بحاجة إلي من يحيي ذلك اليوم.

من يتأمل في أصول العلوم الحديثة سوف يجد أن أصولها ترجع إلي فلسفات عصر التنوير التي نحت الغيب كما أوضحت في أول المقال. و لم يكون تأثير هذه الفلسفات علي العلوم الطبيعية فقط و لكنه وصل أيضا للعلوم الإجتماعية. فدارس علم الإقتصاد يعرف جيدا أن آدم سميث كان فيلسوفا و أن أفكاره بنيت علي تصوره للدنيا الفانية و الإنسان الأناني الجشع. و دارس علم النفس يجد أن فرويد قدم تحليلا فريدا للنفس و لكنه اكفي بتحليل النفس الأمارة بالسوء و لم يتطرق إلي بقية مراتب الأنفس كما لاحظ الشيخ العلامة الدكتور علي جمعة. و المبادئ الكلية التي تنشأ الحضارة عليها تسمي بالنموذج المعرفي، و نموذجنا (المسلمون) المعرفي هو عقيدتنا. إيماننا بالله و ملائكته و كتبه و رسله و القدر خيره و شره و اليوم الآخر. بالتعرف علي كل ركن من أركان تلك العقيدة تتسع مداركنا و تتغير نظرتنا للحياة و نتمكن أن نولد علوم إسلامية حقيقية بدلا من قص و لصق العلوم الحديثة و نسبتها إلينا (زورا)

لن ندرك نهضة حقيقية إلا إن تمسكنا بمادئنا و عدنا إلي إعتقادنا المتين جدا مع أتقان العلوم الحديثة و إخراجها من أسر فلسفات التنوير مستفيدين من القرون الأربعة عشر الماضية خيرها و شرها و إلا استحققنا ما نحن فيه الآن من تخلف عن الركب الحضاري. و أخطأنا إن ظننا أننا من الممكن أن نلقي ديننا وراء ظهورنا و نستورد نموذج الغرب لأننا “قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا”

و عفوا علي الإطالة

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري - العلامة المتكلم سعير فودة - الشيخ المتكلم جمال فاروق.جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

من اليمين: الشيخ المحدث العلامة أسامة السيد الأزهري – العلامة المتكلم سعير فودة – الشيخ المتكلم جمال فاروق.
جميعهم يتقن الفلسفات المعاصرة و العلوم العقيدة و علي فهم متزن للواقع الحالي. أري الإلتفاف حولهم ضرورة.

.